الجمعة، 16 أغسطس 2013

خطبة بـ عنوان: "شهر البركات"

عباد الله, ولأنَّ النبيَّ r أعطي جوامع الكلم, فقد أجمل كل ما في هذا الشهر من خير في كلمة واحدة, ولفظة واحدة, موجزة جامعة, ألا وهي قولُهُ r: أَتَاكُمْ رَمَضَانُ, شَهْرُ بَرَكَةٍ .. وكذلك قولُهُ r في حديث آخر: قَدْ أَظَلَّكُم شَهْرٌ مُبَارَك.
ونقف عند قول النبي r رمضان شهر بركة والبركة هنا مطلقة, بركة في كل شيء. البركة: هي الزيادة والنماء والكثرة، وفي لسان العرب معنى البركة: الكثرة في كل خير, والمبارك: الذي قد باركَه الله تعالى, وهو ما يأتي من قِبَلِهِ الخيرُ الكثيرُ.
وشهر رمضان شهر مبارك, قال أهل العلم: أي كَثُرَ خيرُهُ الحسِّيّ والمعنوي كما هو مشاهَدٌ فيه, ففيه بركةٌ في أعمالِ البر, وبركةٌ في ثوابِهَا, وبركةٌ في أعمالِ الدنيا, وبركةٌ في أعمالِ القلوب, وبركةٌ في أعمالِ الجوارح.
جاء شهرُ الصيامِ بالبركاتِ       فأكرِمْ به مِنْ زائرٍ هُوَ آتِ
شهرٌ فيه يَكثُرُ القليلُ، ويعمُّ النفعُ، ويتَّصِلُ الخيرُ، وتتمُّ الكفايةُ، ويعلُو الرِّضا، وتطيبُ النفوس, بركةٌ في حسناته, فالطاعات فيه مضاعفة, الصوم ذاته مضاعفٌ ثوابُهُ بلا حَدٍّ وبلا عَدٍّ, أما غيرُهُ فقد قَالَ بعضُ السلف: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة, فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله, وتسبيحةٌ فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره, وصومُ يومٍ من رمضان أفضل من ألف يوم, وركعةٌ فيه أفضل من ألف ركعة. ودعاءُ الصائمِ فيه سواءً طيلةَ نهارِهِ أو عندَ فطرِهِ مُجاب, وعمرةٌ في رمضان تَعدِلُ حِجَّةً مع النبيّ r, كل ذلك من بركاته. وهو شهرٌ السيئاتُ فيه مغفورة. فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ ما تقدم من ذنبه. والسيئات أيضاً بعدَهُ وقبلَهُ مغفورة بسببه, فرمضان إلى رمضان كفارةٌ لِمَا بينهُمَا. شهرُ بركة فأعمال القلوب فيه معمورة. والأرزاق فيه موفورة. وأجسادُ الصالحين فيه نَشِطَةٌ قويّة. وأرواحُهُم فيه منتعشَةٌ فرِحَة. وأعمالُ الدنيا فيه منجَزَةٌ ميسَّرَة. وأخلَاَقُ المؤمنين فيه هيّنةٌ لينة, لأنَّ الصومَ يُهذّبُ الخُلق, ويُزكّي النفس. شهرُ بركة فأجواءُ المجتمع تفوحُ فيها عطورُ الإيمان, وطِيبُ القرآن, الشياطينُ تُكبَّل وتُحجَزُ عن العبادِ فيه؛ ليَكثُرَ الخيرُ, ويَقِلَّ الشَّر, وما أعظمَهَا من نعمةٍ لِمَن عَقِلَهَا.
عباد الله, أحد عشر شهراً ونحن نخوض غمار الحياة في أمواج الدنيا التي ترمينا في كل اتجاه, فتهتز القلوب, وتتشتت النفوس, وكل طرف حولنا يجرنا إليه لنعيش حالة من التشتت والتبعثر واللا استقرار لا نفسياً ولا روحياً فيأتي شهرُ البركة بروحانيتِهِ وبركتِهِ فيعالج هذا الجانب, يأتي مدرسةً تعلم الصبر واليقين, يأتي موسماً يربي على البر والفضيلة, يأتي شهراً يدعو للتلاحم والتراحم, يأتي مهدئاً لأروحنا, مطمئناً لقلوبنا, مسعداً لنفوسنا, موقظاً لضمائرنا, جامعاً لغاياتنا المبعثرة لغاية واحدة هي طاعةُ الله, والأنسُ بقربه, والتلذذُ بمناجاته, وكفى بها راحة, وكفى بها استقراراً, وكفى بها سعادةً, فحقاً إنه شهر بركة.
اللهم تقبل منا ما مضى من شهرنا, وبارك لنا فيما تبقى, ووفقنا لطاعتك وطاعة رسولك ..
عباد الله, سوق الخير في رمضان نُصبت, فأين المتاجرون؟ وساحة العفو فيه اتسعت, فأين المتنافسون؟ أبواب الجنة فيه فُتحت، فأين الراغبون؟ وأبواب النار فيه أُغلقت, فأين التائبون؟ شهر رمضان أيام معدودات مضى ثلثُه وبقي ثلثاه, وأيامه تتسارع, ولياليه تتسابق, وستمضي سريعا, فالبدار البدار, إياك يا أخي أن تحرم نفسك في رمضان من رحمة الله، فإن الخاسر ورب الكعبة من مرَّ عليه رمضان ولَم يفز فيه برحمة الرحيم الرحمن, اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا واكتبنا في هذا الشهر الكريم من المعتقين من النار.. هذا وصلوا وسلموا .. اللهم إنه قد مضى ثلثُ شهرنا, فأيقظنا يا ربنا من سبات الغفلة, ووفقنا لتدارك ما بقي من شهرنا فيما يرضيك .. 

الجمعة، 12 يوليو 2013

خطبة بـ عنوان: "شهر النفحات"

عباد الله, لِلَّهِ U فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ, وإن من أعظم تلك النفحات هذا الشهرَ الكريم, فهو بحق شهرُ النفحات, شهرٌ تفيضُ فيه بحارُ الرحمات, وتُستنزَلُ فيه البركات, وتظهرُ فيه التجليات, وتُستجَبُ فيهِ الدعوات, وتُوزَّعُ فيه العطايا والهبات, وحسبُكُم أنَّ أولَه رحمه, وأوسطَه مغفرة, وآخرَه عتق من النار, فاحمِدُوا اللهَ على بلوغه فغيرُكُم تحت أطباق الثرى يتحسرونَ ندماً أن لو عاشوا لإدراكِ يوم واحد من رمضان, احمدوا الله على بلوغه فغيرُكُم على الأسرة البيضاء في المصحات يتمنون أن لو صاموا كما تصومون, وقاموا كما تقومون, لكن قد حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ. هَا وقد بلغكم الله رمضان وأنتم في صحةٍ وعافية فماذا أنتم فاعلون؟
تعرضوا لنفحات الله في شهرِكُم فإنه شهرُ النفحات.
في رمضان تَكسِبُونَ حسناتٍ لا حَدَّ لهَا ولا عَدَّ, بأدائكم لعبادة الصوم, يَقُولُ اللَّهُ U: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. أَنَا أَجْزِي بِهِ, ما حدد أجراً, أبهم الأجرَ للدِلالة على عِظَمِ الجزاء, فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان تتعالَجُ نفوسُكُم بالصوم فتصفو مشاعِرُكُم, وتَرِقُّ قلوبُكُم, وتُصَانُ جَوَارِحُكُم بعدَ عامٍ مضني من صراعِ الإنسان مع نفسه وشيطانه ونزواته وشهواته. فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان تتعالَجُ أرواحُكُم وأجسادُكُم بصلاةِ القيام وسماعِ القرآن. فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان تتحقق رغباتُكم بسببِ دَعَوَاتِكم طيلةَ صومِكُم وفي لحظةِ إفطارِكِم وفي سجودِكِم وفي وِترِكُم فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان تتخفف صحائفكم فيغفر الله ما فيها من ذنوبٍ وسيئات, فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان تُعتَقُ رِقَابُكُم من النار في كل ليلة عندَ لحظة فِطرِكُم. فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان تُكتَبُ أسماؤُكُم للدخولِ من بابِ الريان بابِ الصائمين لا يدخل منه غيرُهُم. فتعرضوا لهذه النفحةِ. في رمضان أشرفُ ليالي العام, وفيها أشرفُها ورأسُها وتاجُها وأمُّها, ليلةٌ خير من ألف شهر, من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم. فتعرضوا لهذه النفحةِ. كل هذه نفحاتٌ ربانية من ربٍّ كريم في شهرٍ كريم.
رمضانُ ما أحلَى لِقـَـــــــا رمضـــان           شهــرُ الهــدى والعفوِ والغفرانِ
رمضانُ إنَّكَ للقلوبِ سكينـــــــــةٌ           ومنـــــــارةٌ للتائـِــهِ الحيــــــــرانِ
كَمْ في رِحَابِك رحمةٌ ومــــــــــــودةٌ           كَم في لياليكَ الحِسَـانِ معانـِــــي
صَفَت النفوسُ فليسَ أيُّ مكدِّرٍ          وسَمَت عَلَى الأحقادِ والأضغـــانِ
لا ظَالـــــــمٌ فيه ولا متكبــــــــــرٌ          وغنيُّهُــــم وفقيــــــــــرُهُم سِيَّــــانِ
ما أسعدَ الإنسانَ في أيامِـــــــــهِ          فكأنَّهُ في جَنَّةِ الرضــــــــــــــوانِ
ألا فَأَرُوا اللَّهَ تعالى مِنْ أَنْفُسَكُمْ خَيْرًا في هذا الشهر, واحذروا الغفلة فَإِنَّ الشَّقِيَّ حقيقةً مَنْ لَم يتعرَّض لنفحاتِ اللهِ في رمضان, وَنفحاتُهُ لا تُصيبُ إلا القلوبَ المتيقظة وتُحظىء القلوبَ الغافلة. فلَاَ تَمُرُّ عليكم لحظة في هذا الشهر إلا وتعمروها بآياتٍ تتلونها, أو دعواتٍ ترفعونها, أو دَمَعَاتٍ تَذرِفونها, وأبشروا بخيري الدنيا والآخرة.
اللهم كما بلغتنا شهر رمضان ..
عباد الله, شهرُ رمضان شهرُ الصوم وشهرُ رمضان أنزل فيه القرآن فالصوم والقرآن متلازمان في هذا الشهر, فإن أشغلتَ بهِمَا وقتك يا أخي في رمضان صومٌ وقرآن شفعا لك عند الله, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ, فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ, قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ. أي يُشفِّعُهُمَا اللهُ فيه ويُدخلُهُ الجنة.
ذَكَرَ بعضُ السلفِ أنه يوضع للصوَّامِ يومَ الحسابِ مائدةٌ يأكلونَ عليها والناسُ في الحساب فيقولُ النَّاس: يا رب نحن نحاسَبُ وهم يأكلون فيُقَالُ: إنَّهُم طالَمَا صاموا وأفطرتُم, وقاموا ونِمتُم. جمعوا بين الشرفين الصيام والقيام, فنالوا هذه الكرامة. قال بعض السلف: تجوَّع بالنهار, يعني صُم, وقُمْ بالأسحار, يعني بالقرآن, تَرَ عَجَبَاً من الملكِ الجبّار.
فاشحذوا هِمَمَكُم في شهرِكُم, وقووا عزائِمَكُم في لياليه, واستعينوا باللهِ ولا تعجزوا, وأبشروا بفضلِ اللهِ وعفوهِ ومغفرتِهِ.

الأحد، 7 يوليو 2013

خطبة بـ عنوان: "البشارة بشهر رمضان وكيف نستقبله"

عباد الله, أنوارُ الإيمانِ قد أضاءَت, ونسائمُ الرحمةِ قد هبّت, ولَحَظاتُ البركةِ قد حلّت, وساعاتُ المغفرة قد أطلّت, وسحائِبُ السكينةِ قد أظلّت, لاحت بشائرُ الرضا, وأَزلَفت أيامُ الهدى, وأقبَلَت ليالي التقى, ما هي إلا ليالٍ ويَفِدُ إلينا سيدُ الشهور {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}
أطلَّ شهـرٌ عظيــــمُ القَدْرِ فاغتَنِــــمِ         ونَاجِ مولَاكَ لَا تَركَـن إلَى السَّـــــــأمِ
كَم فيهِ من نَفحَاتٍ قد سَمَت عِظَمَاً        خيرُ الشهورِ عَلَى الِإطلَاقِ فِي العِظَمِ
شهرٌ لطالَمَا انتظرَهُ المتقون واستبشر بقدومِهِ الصالِحون ودَعَا ببلوغِهِ العارفون, لأنه ليس كغيره من الشهور, وليس كمثله في الدهور. ولذلك كَانَ النبيُّ r يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بقدومه فيقولُ لَهُم: أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرُ بَرَكَةٍ , فِيهِ خَيْرٌ, يَغْشَاكُمُ اللَّه, فَيُنْزِلُ الرَّحْمَةَ, وَيَحُطُّ الْخَطَايَا، وَيُسْتَجَابُّ الدعاء، يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى تَنَافُسِكُمْ وَيُبَاهِي بِكُمْ مَلَائِكَته, فَأَرُوا اللَّهَ مِنْ أَنْفُسَكُمْ خَيْرًا فَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ حُرِمَ فِيهِ رَحْمَةَ اللَّهِ. تربيةٌ نبوية, يذكرُ لَهُم r بعضَ فضائل رمضان ليهيئَ نفوسَهُم, ويشحذَ هِمَمَهُم, ويُقوّيَ عزائمَهم, ويُحرّكَ فيِهم روحَ التنافسِ, والمسارعةِ للطاعة. إعدادٌ نفسيٌّ إيمانيٌّ. والبشيرُ لا يُبشّرُ إلا بخير, فكيفَ إذا كان البشيرُ محمداً r؟ وكيف إذا كَانَ المبشَّرُ به شهرَ رمضان؟ البشارةُ بقدومِ شهرِ رمضان مشروعة. وكيفَ لا نُبَشَّرُ بشهرٍ تُفتَّحُ فيهِ أبوابُ السماء؟ كيفَ لا نُبشَّرُ بشهرٍ تُفتَّحُ فيهِ أبوابُ الرحمة؟ كيف لا نُبَشَّرُ بشهرٍ تُفَتَّحُ فيهِ أبوابُ الجنة فلا يُغلَقُ منها باب؟ كيف لا نُبشَّرُ بشهرٍ تُغلَقُ فيه أبوابُ النار فلا يُفتَحُ منها باب؟ كيف لا نُبَشَّرُ بشهرٍ تُغَلُّ فيه الشياطينُ ومَرَدَةُ الجآن؟ كيف لا نُبَشَّرُ بشهرٍ يُنَادِي فيه مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ؟ كيف لا نُبَشَّرُ بشهرٍ لِلَّهِ فيهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ كُلَّ لَيْلَةٍ؟
ألا فأحسنوا استقبالَ الشهرِ الكريم, استقبلوهُ بسؤالِ اللهِ بُلَوغَه وإدراكَه في صحةٍ وعافية حتى تنشَطُوا لطاعةِ اللهِ فيه. ثُمَّ استقبلوهُ بتطهيرِ قلوبِكم وجيوبِكم وذِمَمِكُم وبيوتِكم. بتطهيرِ هذه الأربع, وكيفَ ذلك؟ نستقبِلُ رمضان بتطهيرِ قلوبنا من الغل والحقد والبغضاء, وتنقيتِها من الشحناء, فنتصافَى ونتسامَحُ لأنَّ رمضان على الأبواب حتى نستلذَّ بالقرآن قَالَ عُثْمَانُ t: لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُكُمْ مَا شَبِعَتْ مِنْ كَلَامِ ربكم. لننسى خلافاتنا جانباً قبل رمضان حتى نحظى بشرفِ رفعِ الأعمال وشرفِ عرضِهَا وشرفِ مغفرةِ ما فيها, وشرفِ قَبولِها, شهاداتُ شَرَفٍ مَنْ حُرِمَها في رمضان ولَم تُصبه فهو المَحروم. فهل نُحرَمُ منها لأجلِ تنافُرٍ وتناحر على أمورٍ دنيوية تافهةٍ لا قيمة لها ولا وزن؟ هذا هو الخسرانُ الحقيقي.
نَستقبِلُ رمضان بتطهيرِ جيوبنا من الكسبِ الخبيث والمالِ الحرام, حتى يُرفَعَ عملُنا, ويُقبَلَ دعاؤُنا فإن أكلَ الحرام سببٌ لمنع إجابةِ الدعاء. في الصحيحِ ذَكَرَ النبيُّ r الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ له؟ كيفَ يُستجابُ لَه؟
نَستقبِلُ رمضان بتطهيرِ ذِمَمِنَا من مظالم العباد, وحقوقِ الناس وردِّها إلى أصحابِها, والتسامحِ مع مَنْ ظلمنَاه وأخطأنا في حَقه حتى لا يَدعُوَ علينا ويُرَدَّ عملُنا, إذ كيفَ يَصومُ المرءُ في رمضان ويقومُ ويتصدّقُ وهو أَكَلٌ لحَقِّ غيرِهِ ظالِمٌ له معتدٍ على أموالِهِ وممتلكاته؟
ألا يخافُ الظالمُ دعوةَ المظلومٍ الصائمٍ في سجودِهِ وعندَ فطرِهِ؟ تَخلُّصُوا رحمكم الله من مظالم العباد وتحللُوا منها ليقبلَكُم ربُّكُم, ولِتُدرِكَكُم رَحمتُهُ في شهرِ الرحمة والمغفرة.
اللَّهُمَّ بارك لنا فيما تبقى من شعبان, وبلغنا شهر رمضان ..
عباد الله, كَمَا نَستقبِلُ شهرَ رمضانَ بتطهيرِ بيوتِنَا مِنْ كُلّ مَا يُشغِلُنَا ويَجرَحُ صومَنَا خصوصاً تِلكَ الفضائياتِ المُفسِدِة التي تَبُثُ الفسقَ والعري والفسادَ الأخلاقيَّ في مسلسلاتِها ومسابقاتِها وبرامِجِها, والتي تَهتِكُ حُرمةَ رمضان, وتشوّهُ روحانيتَه, وتجرَحُ طاعَتَكُم فيه, طهّروا بيوتَكم من هذه الفضائيات لِتَتَفَرَّغُوا للطاعةِ والتلاوةِ والدعاء, فمضيعةُ الوقتِ عليهَا يُحقّقُ فيمَن يُتَابِعُهَا قولُ النبيّ r: رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ. هَذَا الذي ضيّعَ وقتَه على الفضائيات لا تشملُهُ رحمة, ولا تغشاهُ نفحة, لأنه لَم يتعرّض لنفحاتِ اللهِ ورَحَمَاتِهِ في شهرِ النفحاتِ والرّحمات.
فاللهَ اللهَ في حُسنِ استقبالِ شهرِكم الكريم, وصدقِ استغلالِهِ بما يَنفَعُكُم.
اللهم بلغنا شهر رمضان وارزقنا فيه طاعتَك على الوجه الذي يُرضيك عنَّا.

الثلاثاء، 2 يوليو 2013

خطبة بـ عنوان: "سقي الماء"

عباد الله, كان السلفُ الصالِحُ يَفرحونَ بالصيف كفرحنا نحن الربيع والشتاء لماذا يفرحون بالصيف؟ لأنهم يعلمونَ يقيناً أن الطاعةَ فيه ثقيلةٌ وشاقة, ولأن النفوسَ تحب فيه الدعةَ والراحة والظلَّ البارد والماءَ الزُّلال فتزهد في كثيرٍ من الطاعات والقربات, ولا يستغلها ويتنبه لها إلا الخُلَّصُ من عباد الله فيعمرون الصيف بصالح القول والعمل.
ألا فلنكن مثلَّهُم يا عباد الله وإني أدلكم على بابٍ عظيمٍ من أبوابِ الخيرِ في الصيف عملٍ يعظم فضله ويضاعف ثوابه في الصيف, لأن نفعَه متعدي للبشر وغير البشر, ولأن أثرَه ظاهر على من يستفيدُ منه, ألا وهو سقي الماء, قَالَ النَّبِيُّ r: لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ مَاءٍ. يعني سقي الماء. وعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ. سَقْيُ الْمَاءِ بأي طريقة كانت. كشراءِ عبواتِ ماءٍ باردة وتوزيعِها على من في المسجد وعلى عابري السبيل وعُمّالِ النظافة والبناءِ وسائقي الشاحنات وغيرِهم. شراءُ ناقلات ماء وتوصيلُها إلى بيوتٍ فقيرةٍ لا يوصَلُ لها ماء. شراءُ برادات ماء وتوزيعُها على أبوابِ المساجِدِ والأسواقِ والمحطاتِ على الطُرُقِ السريعة. إصلاحُ ما تعطل من تلك البرادات على الطرق السريعة. تعاهُدُ خزانات المساجد المطروقة على الطرق السريعة بالتعبئة المستمرة, والتنظيفِ الدوري. حفرُ الآبارِ في القرى الفقيرة التي يَقِلُّ فيها الماء, ويشتدُ فيها العطش. كل ذلك من وسائل سقي الماء. وفي الحديث الصحيح: مَنْ حَفَرَ مَاءً لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ كَبِدٌ حَرَّى مِنْ جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ وَلَا سَبُعٍ وَلَا طَائِرٍ إِلَّا آجَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
عباد الله, الصدقةُ بسقي الماء عن الميت أفضلَ الصدقاتِ الجارية, لَمَّا ماتت أمُ الصحابيّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أتي النبيَّ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا؟ قَالَ نَعَمْ. قال: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: سَقْيُ الْمَاءِ. فَحَفَرَ سعدٌ في المدينةِ بِئْرًا وَقَالَ: هَذِهِ لِأُمِّ سَعْدٍ. الصدقةُ بسقي الماء تدفع البلاء, وتقي مصارع السوء, وقَد قَالَ النبيُّ r لأعرابي: انْظُرْ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ لَا يَشْرَبُونَ الْمَاءَ إِلَّا غِبًّا يعني نادراً لقلته فَاسْقِهِمْ، فَلَعَلَّكَ أَلَّا يَهْلِكَ بَعِيرُكَ، وَلَا يَنْخَرِقَ سِقَاؤُكَ حَتَّى تَجِبَ لَكَ الْجَنَّةُ, فَانْطَلَقَ الْأَعْرَابِيُّ يُكَبِّرُ، فَمَا انْخَرَقَ سِقَاؤُهُ، وَلَا هَلَكَ بَعِيرُهُ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا. عَمِلَ بوصيةِ النبيّ r فسَقَى ماءً لأهلِ بيتٍ محتاجينَ للماء, فَمَا انْخَرَقَ سِقَاؤُهُ وَلَا هَلَكَ بَعِيرُهُ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا. وجاءَ رجلٌ إلى الإمامِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَسَأَلَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قُرْحَةٌ خَرَجَتْ فِي رُكْبَتِي مُنْذُ سَبْعِ سِنِينَ، وَقَدْ عَالَجْتُ بِأَنْواعِ الْعِلَاجِ، وَسَأَلْتُ الْأَطِبَّاءَ فَلَمْ أَنْتَفِعُ, قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَوْضِعًا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَى الْمَاءِ فاحْفُرْ هُنَاكَ بِئْرًا، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَنْبُعَ هُنَاكَ عَيْنٌ، وَيُمْسِكُ عَنْكَ الدَّمُ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرِئَ بإذن الله. وأصابت الْحَاكِمَ أَبا عَبْدِ اللهِ الحَافِظَ المُحدثَ قُرْحَةٌ في وَجْهِهِ وَعَالَجَهَا سنةً فَلَمْ تَذْهَبْ، فَأَمَرَ بِسِقَايَةِ الْمَاءِ, بُنِيَ عَلَى بَابِ دَارِهِ مَسقَى, وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الشُّرْبِ منه, فَمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُسْبُوعٌ حَتَّى ظَهَرَ عليه الشِّفَاءُ, فَزَالَتْ الْقُرُوحُ عنه, وَعَادَ وَجْهُهُ إِلَى أَحْسَنِ مَاكَانَ. فَيَا مَنْ يريدُ الأجرَ الجاري والثوابَ الدائم والشفاءَ العاجل اِسق إخوانَك وجيرانَك وتحرّى أوقاتِ الصيف الحارّة وشُحَّ الماء وابحَث عمَّن لا يَجِدُ ماءً , وقَدّمهُ له سبيلاً لوجه الله تعالى, وتذكَّر أنَّ مَنْ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ في الجنة, احتسب الأجر, وانوِ به رفعَ البلاء وَدَفعَ السوء {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}.
اللهم إنا نسألك عملاً صالِحاً ينفعُنا ويرفَعُنا وترضَى به عنّا ..
عباد الله, وكما أن هذا الثواب في حق البشر فكذلك في حق البهائم والدواب, عَنْ ابْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ r عَنْ ضَالَّةِ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي، قَدْ لُطْتُهَا لِإِبِلِي، فَهَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ إِنْ سَقَيْتُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ.
مَنْ كَثُرَت ذنوبُهُ فليتقرب إلى الله بسقايةِ الدواب والطيور ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولا تستصغره, فالثوابُ مغفرةٌ من الله, زانيةٌ بغيّ سقَت كلباً فشكر الله لها فغَفَرَ لهَا ذنبها. فكيفَ بمن يَسقي بني البشر؟ ورَجُلٌ سَقَى كَلْبَاً فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ. وفي المقابل عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ. قَالَ الله: لاَ أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلاَ سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلاَ أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ.
فاتقوا الله عباد الله {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وتحرَّوا في فصلِ الصيف سقيَ الماءِ للبشرِ والدوابِ والطيور, وأبشروا بفضلِ الله تعالى.

السبت، 22 يونيو 2013

خطبة بـ عنوان: "الوقاية من الفتن الفكرية"

عباد الله, إننا في زمنِ فتنةٍ تنبأ بهَا النبيُّ r فَقَالَ فيما صَحَّ عنه: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُمْسِي الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، وَيُصْبِحُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا. أي إنها فِتنٌ تجعل المرءَ يخرُجُ من دينه, فتن الشبهات, الفتن الفكرية, ونحن نَرَى مِصدَاقَ ذلك فيما يكتَبُ ويُنشَرُ على مواقعِ التواصل, فالبعض يكتب, والكل يقرأ, يصبح الرجل مؤمناً فإذا أمسى كتب تغريدة أو خاطرة تقدح في الدين وثوابته وما علم منه بالضرورة فأمسى بها كافراً أو يمسي مؤمناً فإذا أصبح كتب تغريدة مما سبق فأصبح بها كافراً, يكتبونَ الكفر وكلمةَ الكفر استهزاء وإلحادا وإنكارا, في سطرين أو ثلاثة وَيَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. فما السلامةُ من ذلك؟ السلامةُ في أمور:
أولاً: سؤالُ الله الثباتَ على الدين. عَنْ أَنَسٍ t قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
لا يدري الإنسان ربما يقع في قلبه زيغٌ فيَهَلَك. فنسأل الله أن يثبّتَ قلوبَنَا على دينه.
ثانياً من وسائل السلامة: اعتزالُ مواطِنِ الفتنةِ, وتدبروا قصةَ أصحابِ الكهف, لَمَّا أصابت قومَهُم فتنةُ الشركِ ماذا صَنَعَ الفتية؟ قال تعالى{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} فاعتزالُ مواطِنِ الفتنةِ مرغَّبٌ فيه شرعاً, لأنه نجاةٌ وسلامة, فلما اعتزلوا موطِنَ الشرك, قال تعالى: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا}. وكذلك نحن لنعتزِل على الإنترنت مواقِعَ الإلحاد والكفرَ البواح ومتابعةَ كتابات مَنْ يكتب في الكفرِ بالله, فهذا مأمورون به شرعاً والدليلُ حديثُ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ أَتَى النَّبِيَّ r بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ كِتَابًا حَسَنًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ, فَغَضِبَ النَّبِيُّ r وَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ يعني أَمُتَحَيِّرُونَ؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً .. ولَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي. إن كُلَّ مُفكّرٍ أو كاتِبٍ أو مؤلّفٍ تقرَأُ لَهُ سيترُكُ أثَرَاً في فكرِك وقلبِك وتوجُّهِك, فلا تقرأ يا أخي إلا لذي عِلمٍ ودين قال ابنُ سيرين رحمه الله: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
ثالثاً من وسائِلِ السلامة: المبادرةُ إلى العملِ الصالِحِ فإنَّ له ثمرةً عظيمةً في الحمايةِ من الفتنة, قَالَ بعضُ السلف إِنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا فِي الْقَلْبِ. هذا النورُ هو الفرقانُ الذي يُميّزُ بِهِ الطائعُ بين الحقّ والباطل, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}. قال المفسرُ ابنُ كثير مَنِ اتَّقَى اللَّهَ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ وُفِّقَ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ وإنَّ من أخص الأعمال الصالحة وأقواهَا أثراً الصلاة فهي الحِرْزُ المكين والحِصْنُ الحصين, الواقي من الفتن, وتأملوا هذا الحديث, عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النبيُّ r لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ - يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ - رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ. فأخبَرَ بالفتنِ النازلةِ ثم حرصَهُنَّ على الصلاة فهي الواقية بإذن الله من تلك الفتن.
أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه, وأن يصرف عنا وعنكم الفتن..
عباد الله أولادُكم أمانةٌ في أعناقكم, فلا يقرؤوا ولا يتابعوا إلا ما يُقَوِّي دِينَهُم وينفعهُمُ في دنياهم, والوقايةُ خيرٌ من العلاج, فلقنوهم أولاً دعاءَ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ. وحصّنُوهُم ثانياً بالقرآنِ تلاوةً وحفظاً وتدبُّراً, بالله عليكم مَنْ مِنَّا حرَّص أولادَه على النظرِ في القرآن كما ينظرون في الجوالات والفضائيات؟ مَنْ مِنَّا حرَّص أولادَه على قراءةِ القرآن كما يقرؤونَ في مواقع التواصل ويتابعون اليوتيوب وغيرَهُ؟ هل حصَّنَّاهُم بالقرآن؟ هل جلسنا معهم لدقائق نتدبَّرُ معهم بعضَ آياتِ القرآن؟ الفرصةُ الآن مواتية فأنتم في الإجازة الصيفية, فَحريٌّ أن يكونَ لأبنائكم فيها نصيبٌ مع القرآن فإنه الهدى والنجاة ومن لم يتأثر بالقرآن ويؤثر فيه فلا قلب له جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قبل إسلامِهِ يحكي موقفاً له مع القرآن كان سبباً في إسلامِهِ, يقول: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ} قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. كَانَ سماعُهُ للقرآن من فم النبيّ r سبباً لدخولِهِ في الإسلام, قلوبٌ حيّةٌ أثَّرَ فيها القرآن فهداهَا لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. فربُّوا أولادَكُم على مائدةِ القرآن, فإنه السلامةُ لكم ولَهم من فتنِ الشبهات, ثم صلوا وسلموا رحمكم الله..

الجمعة، 14 يونيو 2013

خطبة بـ عنوان "لباس النساء في مناسبات الزواج"

عباد الله, نفرَحُ بإقامةِ مناسباتِ الزواجِ لمَا فيها من تآلُفٍ وتواصُلٍ ولربما أنَّ البعض لا يرى صديقه أو قريبه إلا في مناسبةِ عرس, ويتأكد هذا أيضاً في حق النساء فمناسبات الأعراس فرصة لهن للتلاقي والتواصل إلا أن مما يلوث تلك المناسبات ويُسِئُ لَهَا ويشوهُ جمالها ويعكرُ أجوائها ما تلبسه بعضُ النساء فيها من ملابس خادشة للحياء فيها من التعري أكثر من السِّتر ملابس تعري أكثر مما تستر ملابس لا تلبسها المرأة إلا في غرفة نومها مع زوجها ومع هذا تلبسها أمامَ النساءِ في الأعراس بدونِ تحرجٍ أو حياءٍ أو خوفٍ من الله.
عباد الله, إنَّ اللهَ تعالى برحمته أنزلَ علينَا لِبَاسَاً يُوارِي عوراتنا ويستُرُها, وتَستُّرُنا بها من تمامِ تقوانا للهِ, قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ.. يعني عوراتِكم .. وَرِيشًا.. وهُوَ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ ظَاهِرًا.. وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}.
المرأةُ المتسترَةُ في مناسبات الأفراح أطاعت ربها, وحققت التقوى بتستُّرِهَا في لباسِها, وأحسنَت إلى نفسِهَا وإلى أسرتِهَا وإلى مَن دعاها, أمَّا المتبذلةُ التي تلبسُ العاري ولا تسترُ من جسدِها إلا القليل, فإنها عَصَت ربَّهَا وأساءَت إلى نفسِها وإلى مَن دعاها, وقبلَ ذلك أطاعت الشيطانَ الحريصَ على إظهارِ العَورات وإبداءِ السوءات, الذي سَعَى في إخراجِ أبينَا آدَم مِنَ الْجَنَّةِ, وَتَسَبَّبَ فِي هَتْكِ عَوْرَتِهِ بَعْدَمَا كَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْهُ، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} الشيطانُ حريصٌ على إقناعِ المرأة بأن جمالَهَا ومستقبلَها وإعجابَ النساءِ بها مُرتَهَنٌ بما تُبديه من مفاتِنِهَا, مما تغري الناظِرَ لَهَا قَالَ تَعَالَى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} فَمَنْ أبدَت مَفَاتِنَهَا وما تسترت في لباسها, فقد انتكست فِطرتُهَا, ووقعت في فَخِّ شيطانِهَا وعرَّضَت نفسَهَا لعقابِ اللهِ, في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا, نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَا عِقَابُهُنَّ يا رسولَ الله؟ لَا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا. قَالَ العُلَمَاء: كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِفُ مَا تَحْتَهَا فَهُنَّ كَاسِيَاتٌ فِي الظَّاهِرِ, عَارِيَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ. وإن مما يُدمي قلبَ كلِّ غيورٍ أن لا تَرَى في أسواقِ الأزياء وألبسةِ الأفراحِ إلا العاري أو الضيق أو القصير الفاضح وكلَّها لا حشمةَ معها ولا حياءَ عندَ من تلبسُهَا, ومتى رُؤِيَ العُري والتعرِّي جمالاً وذوقاً وتقدماً فقولوا على الفطرةِ والقِيَمِ والأخلاقِ السلام ألَاَ فعلموا نسائكم أن يَجتنِبن اللباسَ المنهيَّ عنه في الأعراسِ, مما يَكشِفُ العورات، ويُبرز المفاتن ويُحجّم الأعضاء كالملابس الشفافة أو الضيقة أو المفتوحة من النحر والصدر والظهر أو ما يُظهر الساقين أو نصف الفخذين, أو ثوبِ شهرةٍ, فبعضُ النساء هداهن الله تتفنن في تفصيلِ فستانٍ تحضرُ بِهِ عُرْسَاً لتشتهِرَ بِهِ, وتُلفِتَ أنظارَ النساءِ له, فهذا ثوبُ شهرةٍ مُحرَّمٌ لِبسُهُ, وتأثم من تلبسُهُ, والمسلمةُ التي رضيت بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ r نبياً, لا تلبسُهُ أبداً, ولو أمام النساء. قَالَ النبيُّ r: مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا.
فاتقوا الله رحمكم الله, وَقومُوا بواجِبِكُم وجَدِّدُوا شُعورَ الغَيرةِ في قلوبكم, وانصَحُوا نسائَكُم وذكِّرُوهُنَّ أَنَّ السترَ في اللباس ليس عيباً, وأن الحشمةَ في اللباس ليس عاراً, السِترُ في اللباس فضيلةٌ ربانية, والعُريُّ في اللباس خطيئةٌ شيطانية, السترُ علاجٌ ربانيٌّ لكثيرٍ من أمراض الشهوات والعريُّ داءٌ شيطانيٌّ وسببٌ لانتشارِ الأمراضِ النفسية والأدواءِ الروحية والعينِ والحسدِ والسحر بين أوساط النساء, فاللهم استرنا ولا تفضحنا..
عباد الله, كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, وَالرَّجُلُ منكم رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وعن زوجته وبناتِهِ, فليحرص على أن لا يخرُجْنَ من بيتِهِ إلا محتشماتٍ بلباسِ السترِ والإيمان, وأن لا ينخدعن بما يُسمَّى الموضة فإنها مكيدةٌ شيطانيةٌ يهودية, انتقلت إلى بلاد الإسلام وللأسف على أيدي مسلمين ويتسابَقُ النساءُ عليهَا بجهلٍ وَسَفَه, فحفظوهُنَّ واحموهُنَّ من ملابِسِ الفِسقِ والفِتنة. كَمَا لَاَ يَمنَع أحدَكُم حَيَاؤُهُ أن يُضَمِّنَ كرتَ دعوتِهِ أو رسالةَ جواله لحضورِ مناسبةِ الزواج يُضَمِّنَهَا سَطْرَ تذكيرٍ للنساء الحاضرات أن يَلتزِمن لباسَ السّترِ والحشمة وأن يَحذَرْن التعري الذي يُسخِطُ الله ويُجلِبُ الشياطينَ ويمحَقُ بركةَ تلك الليلة. هذا أقلَّ واجب نقومُ به, ولا حياءَ في ذلك, والناصِحُ المذكّرُ لقومِهِ ونساء قومه مأجورٌ إن شاء الله. ثُمَّ صَلُّوا على مُعلّم البشريةِ الخير والفضيلة ومُحذِّرِهِم من الفاحشة والرذيلة.. يَا رَبِّ صَلِ عَلَى المُختارِ سيدِنا  مَا غنَّت الطيرُ في دَوحٍ بألحانِ
                       وَالآلِ والصَّحبِ ثُمّ التابعينَ لَـهُ     وَاجْعَلْ مَحبتَهُم رُوحِي وَرَيْحَانِي

الجمعة، 7 يونيو 2013

خطبة بـ عنوان: " تذكر حر جهنم بحر الصيف"

عباد الله, الله تعالى حين خلق في الدنيا الحرَ والبرد, والصيفَ والشتاء, والأماكنَ المعتدلة الجميلة والمُفرطةَ الحارة, أرادَ بهذا أن نربِطَ بين الدارين, التي نعيشُها والتي ننتقلُ إليها فما في الصيف من حر وسمومٍ وسعي للظِّلَال وشُربِ البارد الزُّلَال هذا يوقظ القلوبَ الغافلة, والضمائرَ النائمة, كيف يُوقِظُهَا؟ يُذَكّرُهَا بالدارِ الآخرة { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.
في الصحيحين, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ من نفس جهنم في الصيف، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ من نفس جهنم في الشتاء.
عباد الله, القلبُ الحي, والضميرُ اليقظ هو من يتذكَّرُ بِحَرِ الصيف حَرَّ جهنّم, فيستعيذُ باللهِ منها هذا منهجُ الصالحين العارفين يربطونَ بينَ مايشعرونَ به في الدنيا بالآخرة لأنهم يوقنون أنهم سينتقلون من الدنيا إليها فما يرونه في الدنيا من حَرٍّ مُفرِط يذكرُهُم بجهنم
قلوبُ العارفينَ لَهَا عيونٌ      تَرَى مَا لَاَ يَراهُ النَّاظِرُونَا
وتأمَّلُوا هذه الأخبار, كان في الشام بيوتٌ مهيأةٌ للاستحمام والتنظف بالماء الدافيء وتسمى عندهم الحمام, وقد تكون دافئة حارة, وهذه تذكر السلف بنار الآخرة, دَخَلَهَا أحدُهُم فَسَمِعَ تَالياً يتلو فيها: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} فغُشِيَ عَليه.
وتزوَّج صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ فدخل الحمام عريساً ثم دخل على زوجته تلك الليلة فقام يصلي حتى أصبَح وقال: دخلتُ بالأمس بيتاً ذكرني النار يعني الحمام, ودخلتُ الليلة بيتاً ذكرتُ بِهِ الجنة يعني على عروسِهِ, فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت.
عباد الله, ونحنُ في حياتنا هناك ما يذكرنا بنار الآخرة, في الظهيرة تشتد الحرارة, هل تعلمون لماذا؟ لأن أبواب جهنم تُفتح كُلُّها فيها لتتنَفّس, فنشعر نحنُ بزيادة الحر في الظهيرة, فهل تَذكَّرنا بهذا نارَ جهنم؟ النَارُ التي نشعلها جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ, قال الصحابة: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً, يعني لكفى حرُّهَا في الإحراق والتعذيب, فَقَالَ: فُضِّلَتْ جهنَّمُ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا. فهل تَذكرنا بهذا نارَ الآخرة؟ الشمسُ الجرمُ الدائري المُشِعُّ سِرَاجًا وَهَّاجًا, خُلِقت من النار, وفي القيامة إليها تعود, فهل ذكرنا حرُّها ولفحُ سمومِهَا بنارِ جهنم؟ كَانَ بَعضُ السلفِ إِذَا أصابَهُ لَفْحٌ حَارٌّ يقول: يا بَرُّ يا رَحيم مُنَّ علينَا وَقِنَا عذابَ السموم. وصَبَّ بعضُ الصالحين على رأسه ماءً فوجدَهُ شديدَ الحَرِّ فبَكَى, وقَالَ: ذَكرتُ قولَهُ تعالى: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}.
فلمَاذا لا نتذكّرُ كمَا تذكروا؟ ولماذا لا نخافُ كمَا خافوا؟ ولماذا لا نَهرُبُ من النار كمَا هربوا؟ قَالَ الحسن: كُلُّ حَرٍّ أهلَكَ شيئاً فهو مِن نَفَسِ جهنَّم.
فاتقوا الله رحمكم الله, ومكة شرفها الله عُرِفَت بالأجواءِ الصيفيةِ الحارة, فقد تعدت درجاتُ الحرارةِ خلال الأسبوع الماضي الخمسين, وما خلق اللهُ الحرَّ والأجواءَ الساخنة إلا تذكرةً بنار جهنم, وتخويفاً, فشدةُ الحر من آياتِ الله التي لا ينبغي أن تمر هكذا دونَ توقف أو تذكر, قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} فلتكن هذه الأجواء نجاةً لنا ومُخلِّصَةً لنا من حر نار الآخرة فنجتنب من الأعمال والأقوال ما يكون سبباً لدخولِها كإضاعةِ الصلوات, واتباعِ الشهوات, وأكل الربا, والرشوة, والعقوق, وشهادة الزور, وظلمِ العباد, وأكل أموالهم بالباطل, وأذيتِهِم, والإضرارِ بهم, وإشاعة الفاحشة فيهم, والاستهزاءِ بالدين, والنميمة, فاللهم أجرنا ووالدينا وأمواتنا من النار .. إلخ
عباد الله, من منعَهُ الحرُّ عن أداءِ الطاعات كحضورِ صلاةِ الجماعة, والجُمَع, واتباعِ الجنائز والصومِ والصدقةِ على المساكين والأرامل, والخروجِ للدعوةِ في سبيل الله, وطلبِ العلمِ وبذلِهِ, وحضورِ دروسه ودوراتِهِ, من امتنع عن تلك الطاعات بلا عذر شرعي بل حُجَّتُهُ الحر, فقد تشبَّهَ بالمنافقين فإنهم قالوا لبعضهم لما استنفرهم النبيُّ r لغزوةِ تبوك قالوا لبعضهم: {لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} أي لا تخرجوا في هذا الحر الشديد, فَقَالَ اللهُ لنبيّه: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي قل لهم إن كانت حرارةُ الطقسِ منعتكم عن الجهاد فتقصيرُكم فيه وامتناعُكم عنه سيوردُكم إلى نارٍ حرُّها أشدُّ من حر الدنيا. فيا عبد الله تذكر بحرِّ الصيف حَرَّ الآخرة, {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ}
يَا رَبِّ صَلِ علَى المختارِ سيدِنا .. ما غنَّت الطيرُ في دَوحٍ بألحانِ.
وَالآلِ والصحبِ ثُمّ التابعينَ له.. واجعَل مَحبتَهُم رُوحِي وريْحَانِي