السبت، 22 يونيو 2013

خطبة بـ عنوان: "الوقاية من الفتن الفكرية"

عباد الله, إننا في زمنِ فتنةٍ تنبأ بهَا النبيُّ r فَقَالَ فيما صَحَّ عنه: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُمْسِي الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، وَيُصْبِحُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا. أي إنها فِتنٌ تجعل المرءَ يخرُجُ من دينه, فتن الشبهات, الفتن الفكرية, ونحن نَرَى مِصدَاقَ ذلك فيما يكتَبُ ويُنشَرُ على مواقعِ التواصل, فالبعض يكتب, والكل يقرأ, يصبح الرجل مؤمناً فإذا أمسى كتب تغريدة أو خاطرة تقدح في الدين وثوابته وما علم منه بالضرورة فأمسى بها كافراً أو يمسي مؤمناً فإذا أصبح كتب تغريدة مما سبق فأصبح بها كافراً, يكتبونَ الكفر وكلمةَ الكفر استهزاء وإلحادا وإنكارا, في سطرين أو ثلاثة وَيَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. فما السلامةُ من ذلك؟ السلامةُ في أمور:
أولاً: سؤالُ الله الثباتَ على الدين. عَنْ أَنَسٍ t قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
لا يدري الإنسان ربما يقع في قلبه زيغٌ فيَهَلَك. فنسأل الله أن يثبّتَ قلوبَنَا على دينه.
ثانياً من وسائل السلامة: اعتزالُ مواطِنِ الفتنةِ, وتدبروا قصةَ أصحابِ الكهف, لَمَّا أصابت قومَهُم فتنةُ الشركِ ماذا صَنَعَ الفتية؟ قال تعالى{وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} فاعتزالُ مواطِنِ الفتنةِ مرغَّبٌ فيه شرعاً, لأنه نجاةٌ وسلامة, فلما اعتزلوا موطِنَ الشرك, قال تعالى: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا}. وكذلك نحن لنعتزِل على الإنترنت مواقِعَ الإلحاد والكفرَ البواح ومتابعةَ كتابات مَنْ يكتب في الكفرِ بالله, فهذا مأمورون به شرعاً والدليلُ حديثُ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ أَتَى النَّبِيَّ r بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ كِتَابًا حَسَنًا مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ, فَغَضِبَ النَّبِيُّ r وَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ يعني أَمُتَحَيِّرُونَ؟ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً .. ولَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي. إن كُلَّ مُفكّرٍ أو كاتِبٍ أو مؤلّفٍ تقرَأُ لَهُ سيترُكُ أثَرَاً في فكرِك وقلبِك وتوجُّهِك, فلا تقرأ يا أخي إلا لذي عِلمٍ ودين قال ابنُ سيرين رحمه الله: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ.
ثالثاً من وسائِلِ السلامة: المبادرةُ إلى العملِ الصالِحِ فإنَّ له ثمرةً عظيمةً في الحمايةِ من الفتنة, قَالَ بعضُ السلف إِنَّ لِلْحَسَنَةِ نُورًا فِي الْقَلْبِ. هذا النورُ هو الفرقانُ الذي يُميّزُ بِهِ الطائعُ بين الحقّ والباطل, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}. قال المفسرُ ابنُ كثير مَنِ اتَّقَى اللَّهَ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ وُفِّقَ لِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ وإنَّ من أخص الأعمال الصالحة وأقواهَا أثراً الصلاة فهي الحِرْزُ المكين والحِصْنُ الحصين, الواقي من الفتن, وتأملوا هذا الحديث, عن أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ r قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ النبيُّ r لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ - يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ لِكَيْ يُصَلِّينَ - رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ. فأخبَرَ بالفتنِ النازلةِ ثم حرصَهُنَّ على الصلاة فهي الواقية بإذن الله من تلك الفتن.
أسأل الله أن يثبتنا وإياكم على دينه, وأن يصرف عنا وعنكم الفتن..
عباد الله أولادُكم أمانةٌ في أعناقكم, فلا يقرؤوا ولا يتابعوا إلا ما يُقَوِّي دِينَهُم وينفعهُمُ في دنياهم, والوقايةُ خيرٌ من العلاج, فلقنوهم أولاً دعاءَ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ. وحصّنُوهُم ثانياً بالقرآنِ تلاوةً وحفظاً وتدبُّراً, بالله عليكم مَنْ مِنَّا حرَّص أولادَه على النظرِ في القرآن كما ينظرون في الجوالات والفضائيات؟ مَنْ مِنَّا حرَّص أولادَه على قراءةِ القرآن كما يقرؤونَ في مواقع التواصل ويتابعون اليوتيوب وغيرَهُ؟ هل حصَّنَّاهُم بالقرآن؟ هل جلسنا معهم لدقائق نتدبَّرُ معهم بعضَ آياتِ القرآن؟ الفرصةُ الآن مواتية فأنتم في الإجازة الصيفية, فَحريٌّ أن يكونَ لأبنائكم فيها نصيبٌ مع القرآن فإنه الهدى والنجاة ومن لم يتأثر بالقرآن ويؤثر فيه فلا قلب له جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قبل إسلامِهِ يحكي موقفاً له مع القرآن كان سبباً في إسلامِهِ, يقول: سَمِعْتُ النَّبِيَّ r يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ المُسَيْطِرُونَ} قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ. كَانَ سماعُهُ للقرآن من فم النبيّ r سبباً لدخولِهِ في الإسلام, قلوبٌ حيّةٌ أثَّرَ فيها القرآن فهداهَا لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ. فربُّوا أولادَكُم على مائدةِ القرآن, فإنه السلامةُ لكم ولَهم من فتنِ الشبهات, ثم صلوا وسلموا رحمكم الله..

الجمعة، 14 يونيو 2013

خطبة بـ عنوان "لباس النساء في مناسبات الزواج"

عباد الله, نفرَحُ بإقامةِ مناسباتِ الزواجِ لمَا فيها من تآلُفٍ وتواصُلٍ ولربما أنَّ البعض لا يرى صديقه أو قريبه إلا في مناسبةِ عرس, ويتأكد هذا أيضاً في حق النساء فمناسبات الأعراس فرصة لهن للتلاقي والتواصل إلا أن مما يلوث تلك المناسبات ويُسِئُ لَهَا ويشوهُ جمالها ويعكرُ أجوائها ما تلبسه بعضُ النساء فيها من ملابس خادشة للحياء فيها من التعري أكثر من السِّتر ملابس تعري أكثر مما تستر ملابس لا تلبسها المرأة إلا في غرفة نومها مع زوجها ومع هذا تلبسها أمامَ النساءِ في الأعراس بدونِ تحرجٍ أو حياءٍ أو خوفٍ من الله.
عباد الله, إنَّ اللهَ تعالى برحمته أنزلَ علينَا لِبَاسَاً يُوارِي عوراتنا ويستُرُها, وتَستُّرُنا بها من تمامِ تقوانا للهِ, قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ.. يعني عوراتِكم .. وَرِيشًا.. وهُوَ مَا يُتَجَمَّلُ بِهِ ظَاهِرًا.. وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}.
المرأةُ المتسترَةُ في مناسبات الأفراح أطاعت ربها, وحققت التقوى بتستُّرِهَا في لباسِها, وأحسنَت إلى نفسِهَا وإلى أسرتِهَا وإلى مَن دعاها, أمَّا المتبذلةُ التي تلبسُ العاري ولا تسترُ من جسدِها إلا القليل, فإنها عَصَت ربَّهَا وأساءَت إلى نفسِها وإلى مَن دعاها, وقبلَ ذلك أطاعت الشيطانَ الحريصَ على إظهارِ العَورات وإبداءِ السوءات, الذي سَعَى في إخراجِ أبينَا آدَم مِنَ الْجَنَّةِ, وَتَسَبَّبَ فِي هَتْكِ عَوْرَتِهِ بَعْدَمَا كَانَتْ مَسْتُورَةً عَنْهُ، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا} الشيطانُ حريصٌ على إقناعِ المرأة بأن جمالَهَا ومستقبلَها وإعجابَ النساءِ بها مُرتَهَنٌ بما تُبديه من مفاتِنِهَا, مما تغري الناظِرَ لَهَا قَالَ تَعَالَى: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا} فَمَنْ أبدَت مَفَاتِنَهَا وما تسترت في لباسها, فقد انتكست فِطرتُهَا, ووقعت في فَخِّ شيطانِهَا وعرَّضَت نفسَهَا لعقابِ اللهِ, في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا, نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مَا عِقَابُهُنَّ يا رسولَ الله؟ لَا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا. قَالَ العُلَمَاء: كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ يَلْبَسْنَ ثِيَابًا رِقَاقًا تَصِفُ مَا تَحْتَهَا فَهُنَّ كَاسِيَاتٌ فِي الظَّاهِرِ, عَارِيَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ. وإن مما يُدمي قلبَ كلِّ غيورٍ أن لا تَرَى في أسواقِ الأزياء وألبسةِ الأفراحِ إلا العاري أو الضيق أو القصير الفاضح وكلَّها لا حشمةَ معها ولا حياءَ عندَ من تلبسُهَا, ومتى رُؤِيَ العُري والتعرِّي جمالاً وذوقاً وتقدماً فقولوا على الفطرةِ والقِيَمِ والأخلاقِ السلام ألَاَ فعلموا نسائكم أن يَجتنِبن اللباسَ المنهيَّ عنه في الأعراسِ, مما يَكشِفُ العورات، ويُبرز المفاتن ويُحجّم الأعضاء كالملابس الشفافة أو الضيقة أو المفتوحة من النحر والصدر والظهر أو ما يُظهر الساقين أو نصف الفخذين, أو ثوبِ شهرةٍ, فبعضُ النساء هداهن الله تتفنن في تفصيلِ فستانٍ تحضرُ بِهِ عُرْسَاً لتشتهِرَ بِهِ, وتُلفِتَ أنظارَ النساءِ له, فهذا ثوبُ شهرةٍ مُحرَّمٌ لِبسُهُ, وتأثم من تلبسُهُ, والمسلمةُ التي رضيت بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ r نبياً, لا تلبسُهُ أبداً, ولو أمام النساء. قَالَ النبيُّ r: مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَلْهَبَ فِيهِ نَارًا.
فاتقوا الله رحمكم الله, وَقومُوا بواجِبِكُم وجَدِّدُوا شُعورَ الغَيرةِ في قلوبكم, وانصَحُوا نسائَكُم وذكِّرُوهُنَّ أَنَّ السترَ في اللباس ليس عيباً, وأن الحشمةَ في اللباس ليس عاراً, السِترُ في اللباس فضيلةٌ ربانية, والعُريُّ في اللباس خطيئةٌ شيطانية, السترُ علاجٌ ربانيٌّ لكثيرٍ من أمراض الشهوات والعريُّ داءٌ شيطانيٌّ وسببٌ لانتشارِ الأمراضِ النفسية والأدواءِ الروحية والعينِ والحسدِ والسحر بين أوساط النساء, فاللهم استرنا ولا تفضحنا..
عباد الله, كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ, وَالرَّجُلُ منكم رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وعن زوجته وبناتِهِ, فليحرص على أن لا يخرُجْنَ من بيتِهِ إلا محتشماتٍ بلباسِ السترِ والإيمان, وأن لا ينخدعن بما يُسمَّى الموضة فإنها مكيدةٌ شيطانيةٌ يهودية, انتقلت إلى بلاد الإسلام وللأسف على أيدي مسلمين ويتسابَقُ النساءُ عليهَا بجهلٍ وَسَفَه, فحفظوهُنَّ واحموهُنَّ من ملابِسِ الفِسقِ والفِتنة. كَمَا لَاَ يَمنَع أحدَكُم حَيَاؤُهُ أن يُضَمِّنَ كرتَ دعوتِهِ أو رسالةَ جواله لحضورِ مناسبةِ الزواج يُضَمِّنَهَا سَطْرَ تذكيرٍ للنساء الحاضرات أن يَلتزِمن لباسَ السّترِ والحشمة وأن يَحذَرْن التعري الذي يُسخِطُ الله ويُجلِبُ الشياطينَ ويمحَقُ بركةَ تلك الليلة. هذا أقلَّ واجب نقومُ به, ولا حياءَ في ذلك, والناصِحُ المذكّرُ لقومِهِ ونساء قومه مأجورٌ إن شاء الله. ثُمَّ صَلُّوا على مُعلّم البشريةِ الخير والفضيلة ومُحذِّرِهِم من الفاحشة والرذيلة.. يَا رَبِّ صَلِ عَلَى المُختارِ سيدِنا  مَا غنَّت الطيرُ في دَوحٍ بألحانِ
                       وَالآلِ والصَّحبِ ثُمّ التابعينَ لَـهُ     وَاجْعَلْ مَحبتَهُم رُوحِي وَرَيْحَانِي

الجمعة، 7 يونيو 2013

خطبة بـ عنوان: " تذكر حر جهنم بحر الصيف"

عباد الله, الله تعالى حين خلق في الدنيا الحرَ والبرد, والصيفَ والشتاء, والأماكنَ المعتدلة الجميلة والمُفرطةَ الحارة, أرادَ بهذا أن نربِطَ بين الدارين, التي نعيشُها والتي ننتقلُ إليها فما في الصيف من حر وسمومٍ وسعي للظِّلَال وشُربِ البارد الزُّلَال هذا يوقظ القلوبَ الغافلة, والضمائرَ النائمة, كيف يُوقِظُهَا؟ يُذَكّرُهَا بالدارِ الآخرة { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}.
في الصحيحين, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ من نفس جهنم في الصيف، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ من نفس جهنم في الشتاء.
عباد الله, القلبُ الحي, والضميرُ اليقظ هو من يتذكَّرُ بِحَرِ الصيف حَرَّ جهنّم, فيستعيذُ باللهِ منها هذا منهجُ الصالحين العارفين يربطونَ بينَ مايشعرونَ به في الدنيا بالآخرة لأنهم يوقنون أنهم سينتقلون من الدنيا إليها فما يرونه في الدنيا من حَرٍّ مُفرِط يذكرُهُم بجهنم
قلوبُ العارفينَ لَهَا عيونٌ      تَرَى مَا لَاَ يَراهُ النَّاظِرُونَا
وتأمَّلُوا هذه الأخبار, كان في الشام بيوتٌ مهيأةٌ للاستحمام والتنظف بالماء الدافيء وتسمى عندهم الحمام, وقد تكون دافئة حارة, وهذه تذكر السلف بنار الآخرة, دَخَلَهَا أحدُهُم فَسَمِعَ تَالياً يتلو فيها: {وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ} فغُشِيَ عَليه.
وتزوَّج صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ فدخل الحمام عريساً ثم دخل على زوجته تلك الليلة فقام يصلي حتى أصبَح وقال: دخلتُ بالأمس بيتاً ذكرني النار يعني الحمام, ودخلتُ الليلة بيتاً ذكرتُ بِهِ الجنة يعني على عروسِهِ, فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت.
عباد الله, ونحنُ في حياتنا هناك ما يذكرنا بنار الآخرة, في الظهيرة تشتد الحرارة, هل تعلمون لماذا؟ لأن أبواب جهنم تُفتح كُلُّها فيها لتتنَفّس, فنشعر نحنُ بزيادة الحر في الظهيرة, فهل تَذكَّرنا بهذا نارَ جهنم؟ النَارُ التي نشعلها جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ, قال الصحابة: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً, يعني لكفى حرُّهَا في الإحراق والتعذيب, فَقَالَ: فُضِّلَتْ جهنَّمُ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا. فهل تَذكرنا بهذا نارَ الآخرة؟ الشمسُ الجرمُ الدائري المُشِعُّ سِرَاجًا وَهَّاجًا, خُلِقت من النار, وفي القيامة إليها تعود, فهل ذكرنا حرُّها ولفحُ سمومِهَا بنارِ جهنم؟ كَانَ بَعضُ السلفِ إِذَا أصابَهُ لَفْحٌ حَارٌّ يقول: يا بَرُّ يا رَحيم مُنَّ علينَا وَقِنَا عذابَ السموم. وصَبَّ بعضُ الصالحين على رأسه ماءً فوجدَهُ شديدَ الحَرِّ فبَكَى, وقَالَ: ذَكرتُ قولَهُ تعالى: {يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ}.
فلمَاذا لا نتذكّرُ كمَا تذكروا؟ ولماذا لا نخافُ كمَا خافوا؟ ولماذا لا نَهرُبُ من النار كمَا هربوا؟ قَالَ الحسن: كُلُّ حَرٍّ أهلَكَ شيئاً فهو مِن نَفَسِ جهنَّم.
فاتقوا الله رحمكم الله, ومكة شرفها الله عُرِفَت بالأجواءِ الصيفيةِ الحارة, فقد تعدت درجاتُ الحرارةِ خلال الأسبوع الماضي الخمسين, وما خلق اللهُ الحرَّ والأجواءَ الساخنة إلا تذكرةً بنار جهنم, وتخويفاً, فشدةُ الحر من آياتِ الله التي لا ينبغي أن تمر هكذا دونَ توقف أو تذكر, قال تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} فلتكن هذه الأجواء نجاةً لنا ومُخلِّصَةً لنا من حر نار الآخرة فنجتنب من الأعمال والأقوال ما يكون سبباً لدخولِها كإضاعةِ الصلوات, واتباعِ الشهوات, وأكل الربا, والرشوة, والعقوق, وشهادة الزور, وظلمِ العباد, وأكل أموالهم بالباطل, وأذيتِهِم, والإضرارِ بهم, وإشاعة الفاحشة فيهم, والاستهزاءِ بالدين, والنميمة, فاللهم أجرنا ووالدينا وأمواتنا من النار .. إلخ
عباد الله, من منعَهُ الحرُّ عن أداءِ الطاعات كحضورِ صلاةِ الجماعة, والجُمَع, واتباعِ الجنائز والصومِ والصدقةِ على المساكين والأرامل, والخروجِ للدعوةِ في سبيل الله, وطلبِ العلمِ وبذلِهِ, وحضورِ دروسه ودوراتِهِ, من امتنع عن تلك الطاعات بلا عذر شرعي بل حُجَّتُهُ الحر, فقد تشبَّهَ بالمنافقين فإنهم قالوا لبعضهم لما استنفرهم النبيُّ r لغزوةِ تبوك قالوا لبعضهم: {لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} أي لا تخرجوا في هذا الحر الشديد, فَقَالَ اللهُ لنبيّه: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} أي قل لهم إن كانت حرارةُ الطقسِ منعتكم عن الجهاد فتقصيرُكم فيه وامتناعُكم عنه سيوردُكم إلى نارٍ حرُّها أشدُّ من حر الدنيا. فيا عبد الله تذكر بحرِّ الصيف حَرَّ الآخرة, {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ}
يَا رَبِّ صَلِ علَى المختارِ سيدِنا .. ما غنَّت الطيرُ في دَوحٍ بألحانِ.
وَالآلِ والصحبِ ثُمّ التابعينَ له.. واجعَل مَحبتَهُم رُوحِي وريْحَانِي

الاثنين، 27 مايو 2013

خطبة بـ عنوان : "سورة الكهف ومعالجتها للفتن"

عباد الله, موضوعُنا اليوم مهم جداً, لأنه يهم كلَّ فردٍ منا, كُلُّ فرد مِنَّا ينالُهُ من هذا الموضوعِ نصيب, الفتن وما أدراكم ما الفتن؟ نعوذُ باللهِ من الفتن. الفتن واردةٌ على كل مسلم, هذه حقيقة مسلَّمةٌ يقررها القرآن قال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} الحكمة من الفتن ليعلمَ اللهُ الصادِقَ في إيمانِهِ من الكاذِبِ فيه. لكن المسلم العاقل هو الذي يلتمس نورَ المخرج وحبلَ السلامة ووسيلةَ النجاة, والحمد لله أنَّ هذا بين أيدينا, نعم بين أيدينا أعظمُ وسائل النجاة من الفتن, إنه القرآن الكريم, بتدبر آياته, واستلهام عِظَاتِهِ, الْقُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، عِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، القرآن نجاةٌ من المِحَن, ومَخرجٌ من الفِتن, ونُورٌ في الظُلَم.
وفي القرآن، سورة عظيمة, يشرع قراءتها كاملةً والإكثارُ منها, خصوصاً يومَ الجمعة, تحرّيَاً لفضلِها, وطلباً لنورِها, فهل عرفتموها؟ إنها سورةُ الكهف, في حديثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مرفوعاً وموقوفاً: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ. هل تعلمون ما هذا النور؟ نور النجاة من الفتن. فما العلاقةُ بين سورةِ الكهف والفتن؟ سورةُ الكهف عالجت الفتن, عرضت لأربع قِصص, كُلّ قصة عالَجت فتنةً من أمَّهاتِ الفتن التي يَسقُطُ فيها كثيرٌ من الناس, ثم بينت المخرجَ منها ..
الأولى: قصة أصحاب الكهف أشارت لفتنة عظيمة هي فتنةُ الشرك بالله تعالى, فِتْيَةٌ شبابٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وسط بيئة مشركة, ومجتمع مشرك, وقيادة مشركة فكان ذلك سبباً لفتنتِهِم في دينِهِم, فما استسلموا، ولم يتبعوا قومهم في ضلالهم، ولا وافقوهم على كفرهم؛ بل أعلنوا توحيد الله، وبراءتهم من الشرك {فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا. هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} فتصاحبوا وترافقوا واعتزلوا المشركين وفروا بدينهم منهم فَنَجَوْا. عرضت هذه القصة لفتنةِ الشركِ باللهِ والمَخرجُ منها أمورٌ ثلاثة: الأول الإلتجاء بالله تعالى {فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا}. الثاني: صحبةُ الصالحين {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}. الثالث: مجانبةُ أهلِ الغفلةِ والهوى {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا}.
القصةُ الثانية: قصة صاحب الجنتين، أشارت لفتنةٍ عظيمة هي فتنة المال, رجلٌ أنعم الله عليه بالمال, فانغمس فيه, ونَسِيَ المُنعم، وتكبر على مَنْ حولَه, وتجرأ على ثوابتِ الإيمان: {قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا. يعني لن تنتهِيَ أموالي .. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً .. يعني لن تكون آخرة مِن فَرْطِ إعجابِهِ بماله .. وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي .. يعني لو كان هناك آخرة .. لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا .. كأنه ضمن الجنة} انظروا كيف فَتَنَهُ المال؟ لَمَّا صَارَ المالُ في نفسِهِ غَايَةً ألغَى كل القيم والأخلاق والمبادئ, فكانت النتيجة: {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ} كأن لَم يَكُن, ذهب مالُهُ من حيثُ أتى, جعله الله عبرةً لغيره {فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}. عرضَت هذه القصة لفتنة المال, والمَخرَجُ منها في أمور:
أحدها: أن نعلم حقيقة الدنيا, وأنها ظلٌّ زائل, وعاريةٌ مُستردَّة {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا}. الثاني: شكرُ اللهِ بالاستعانة بالمال على طاعته, وإنفاقِهِ فيما يرضيه, فبهذا يتحقق معنى كونِهِ زينة {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. الثالث: أن لا يطغى حبُّ المالِ على حُبّ اللهِ ورسوله, ولا يُشغل عن طاعةِ اللهِ ورسوله {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} هل تعلمونَ ما الباقياتُ الصالحات؟ إنها سُبْحَانَ اللَّهِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ, هذه الكلمات خيرٌ من كنوز الدنيا وأموالِها. الرابع: أن يتذكَّرَ العبدُ أنه مهما كان غنياً مُترَفاً فستأتي اللحظة التي يخرُجُ من هذا كُلِّه, وسيَقدُم عَلَى اللهِ كَمَا خَلَقَهُ أولَ مرَّةٍ عارياً لا يملك شيئاً, وسيَجِدُ بين يديهِ كتاباً {لَاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}فإما ثواب وإما عقاب
القصةُ الثالثة: قصة موسى مع الخَضِر، أشارَت هذه القصة لفتنة عظيمة هي فتنة العلم قوم موسى سألوا موسى عن أعلم أهلِ الأرض فظَنَّ أنَّهُ هُوَ فأوحى اللهُ إليه أنه يوجد من هو أعلَمُ منك، ودلَّهُ عليه, فذهب يبحث عنه هو وفتاه, قال تعالى: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا. قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} فصاحَبَهُ ليتعلَّمَ مِنهُ في رحلةٍ كلُّها دروسٌ وحِكَم فالسفينة خَرَقَهَا, لماذا؟ لِتَبْقَى لأهلِها، وتسلَمَ من الملكِ الظالِم، والغلام قتلَهُ, لماذا؟لأنه طُبِعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لَأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا، والجدار أقامَهُ من غيرِ أجرٍ, لماذا؟ ليحفَظَ كنزَ الغلامينِ اليتيمين. عرضت هذه القصة لفتنةِ العلم, والمخرج منها التواضع لله كما تواضع موسى للخَضِر: {قَاَلَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَاَ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} وموسى أفضلُ من الخضر وأعلَمُ باللهِ منه، لكنْ عند الخضر علمٌ لا يعلمه موسى، فتعلم منه بلا كِبْرٍ وتعالي. فمن فُتِنَ مِنَّا بعلمِهِ فليتواضَع للهِ وليعلم أنَّ {فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} فلا يمنعه ما وصل له عن التواضع والسؤال. فالبعض يفتَحُ اللهُ عليهِ في العلم فيقودُهُ علمُهُ إلى التعالي والتكبرِ واستصغارِ الناس, وتهميشِهم وإعجابِهِ برأيهِ دونَهُم, هذا سَيُردِيهِ عِلمُهُ, ويوردُهُ المهالك.
القصةُ الرابعة: قصة ذي القرنين الملك الصالح، أشارت قصتُهُ لفتنةٍ عظيمةٍ هي فتنةُ السلطان والحكم, مكَّنَ الله له, فدانت له الأقطارُ والأمصار, وهيأ الله له من كل شيء سباباً، فَلَم يتجبر, ولَم يستعل, ولَم يستغل سُلطانَهُ وسُلُطاتِهِ في مصالِحِهِ الشخصيّةِ كلا, بل على العكس سَخَّرَ قوتَهُ في مرضاةِ اللهِ فنشرَ العدل ونصر المظلومين ودفع الظالمين, وبعد كل هذا نَسَبَ الفضلَ للهِ فقال: {هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي}. عَرَضَت قصتُهُ لفتنةِ السلطة والولاية, أيَّا كانت صغيرةً أم كبيرة, عامَّةً أم خاصة, فهي غالباً تقودُ إلى التعالي والظلم واستغلال النفوذ, والمخرج منها ما فعله ذو القرنين.
فاتقوا الله عباد الله, واعرفوا لهذه السورة قدرَها، وتدبروا آياتِها، لا سيما أنكم تكررونها في كل جمعة، واعلموا أنها تبين لكم النجاة من فتنٍ كبرى, فتنة الشرك والمال والعلم والسلطة، فقد يجتهِدُ إبليسُ ويوقِعُ المسلمَ بإحدى هذه الفتن، ولذلك حذَّرَ الله من ولايته والركونِ لَهُ في وسطِ السورةِ, وفي وسطِ حديثِهِ عن القصص الأربع والفتن الأربع, فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}
اللهم نجنا من الفتن ما ظهر منا وما بطن, اللهم لا تفتنا في ديننا ولا في دنيانا, اللهم لا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا ..
عباد الله, أعظم الفتن التي ستصيب الأمة والتي حذَّرَ منها النبيُّ r هي فتنةُ الدجال, اجتمعت في الدجالِ الفتنُ الأربعُ التي ذُكرت في سورةِ الكهف, فهو يفتن الناس في دينهم، فيدعوهم للشركِ بالله، ويقول: أنا ربكم, فَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَجِيبُونَ لَهُ. ويفتنهم بالمال يَمُرُّ بالأرضِ الجرداء، فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ، فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا, ويَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، ويَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتُنْبِتُ. ويفتنهم بالعلم فيخرج ومعه تقنيةٌ متطورةٌ, ويطأ الأرض في لحظات, ويُخبِرُ الرجلَ عن أبيه وأمه ويتمثَّلُ الشيطانُ له بصورتِهِمَا، ويقطَعُ الرجلَ بسيفِهِ حتى يمشي بين نصفيه ثُم يدعوه فيلتحِمُ كَمَا كان. ويفتنهم بسلطانه فيَعيثُ في الأرضِ فساداً, وما من بلدٍ إلا يبلُغُهَا سلطانُهُ خَلَاَ مكةَ والمدينة، ويَفِرُّ الناسُ إلى الجبالِ خَوفاً من بطشِهِ.
عباد الله, هل تعلمونَ من السالِمونَ من فتنةِ الدجال؟ إنهم أهلُ سورة الكهف, إنهم من يقرؤوها ويتدبروها, ويحفظ عشرها الأولى, هؤلاء سيَسلمون من فتنة الدجال, ولن يُسَلَّطَ عليهم, ولن تَنطَلِيَ عليهم أفعالُهُ وفتنتُهُ, بل لا تزيدُهُم فتنتُهُ إلا بصيرةً بشرِهِ ودَجَلِهِ وكَذِبِهِ, يقول النبيُّ r: مَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ يعني الدجال فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ. وقَالَ r مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. وفي رواية: مِنْ خَوَاتِيمِهَا. يقولُ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله: بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ, وقال رحمه الله: وَأُحِبُّ قِرَاءَةَ الْكَهْفِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَهَا لِمَا جَاءَ فِيهَا.
فاتقوا الله عباد الله, واحفظوا سورةَ الكهف, فإن عجزتم فاحفظوا منها ما يَعصِمُكُم من فتنةِ الدجال؛ فإنه شر غائب ينتظر, وتدبروا آياتها التي تَقيكُم من الفتن.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ.

الاثنين، 20 مايو 2013

خطبة بـ عنوان : "موعظة مع بداية العام الهجري"

عباد الله, وُلِدَ هِلَالُ المُحرَّمِ من العَامِ الهَجرِيِّ الجَديد, فَفَرِحَ بِمَولِدِهِ خَلْقٌ كثيرٌ من عِبَادِ الله, فَرِحُوا لِقُربِ تَحَقُّقِ أُمنِيَاتِهِم ومَوَاعِيدِهِم المُفرِحَة, وَهَكَذَا يَفرَحُونَ دَائِمَاً بِمُرُورِ الَأيَامِ والشُّهورِ والَأعوَام لِكِنَّ الْحَقَّ أَنْ يُقَال: كَيْفَ يَفْرَحُ مَنْ يَوْمُهُ يَهْدِمُ شَهْرَهُ، وَشَهْرُهُ يَهْدِمُ سَنَتَهُ وَسَنَتُهُ تَهْدِمُ عُمْرَهُ، كَيْفَ يَفْرَحُ مَنْ يَقُودُهُ عُمْرُهُ إِلَى أَجْلِهِ وَتَقُودُهُ حَيَاتُهُ إِلى مَوْتِهِ. يَا مَنْ يَفرَحُ بِكثرَةِ مُرورِ السنينِ عَلْيهِ إنَّمَا تَفرَحُ بِنَقْصِ عُمُرِك وَقُرْبِ أَجَلِك, فَمَا أَنتَ إِلَّا أَيَّامٌ, كُلَّمَا مَضَى يَوْمٌ مَضَى بَعْضُكِ.
الدقائِقُ تَفْنِي السّاعَات, والسّاعَاتُ تَفْنِي الَأيَّام, وَالَأيامُ تَفْنِي الشهور, وَالشُّهورُ تَفْنِي الَأعوام, وَالَأعوَامُ تَفْنِي الَأعمار, وَفَجأةً نَجِدُ أنفسَنَا قَدْ بَلغَنا الثلَاثينَ والَأربعينَ والخمسينَ والسِّتين, فَمَاذَا أعدَدْنَا للقَاءِ الله؟ الغَفلَةُ خَطيرةٌ, وَلِقَاءُ اللهِ مُتَحَتِّمٌ.
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ لِرَجُلٍ: كَمْ أَتَتْ عَلَيْكَ؟ قَالَ: سِتُّونَ سَنَةً قَالَ فَأَنْتَ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً تَسِيرُ إِلَى رَبِّكَ يُوشِكُ أَنْ تَبْلُغَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَقَالَ الْفُضَيْلُ: أَتَعْرِفُ تَفْسِيرَهُ؟ تَقُولُ: أَنَا للهِ عَبْدٌ وَإِلَيْهِ رَاجِعٌ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ للهِ عَبْدٌ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ رَاجِعٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَمِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مَسْئُولٌ وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَسْئُولٌ فَلْيُعِدَّ لِلسُّؤَالِ جَوَابًا فَقَالَ الرَّجُلُ:فَمَا الْحِيلَةُ؟ قَالَ: يَسِيرَةٌ تُحْسِنُ فِيمَا بَقِيَ يُغْفَرُ لَكَ مَا مَضَى, فَإِنَّكَ إِنْ أَسَأْتَ فِيمَا بَقِيَ أُخِذْتَ بِمَا مَضَى وَبِمَا بَقِيَ.
عباد الله, بَدَأَ العامُ الجديدُ, ولَاَ نَدرِي أنستكْمِلُهُ أم لَاَ؟ فَكَم فَقدْنَا مِن حَبيبٍ وَقريبٍ في العَامِ الماضِي الذي اِستكمَلنَاهُ أوّلَ أَمْس, مَا اَستكْمَلُوهُ كَمَا اَستكمَلْنَاه, حَالَ بَيْنَهُم وبينَ خِتَامِهِ الْمَوتُ, فَكَذَلِكَ نَحنُ لَاَ ندري أنستكمِلُ هَذَا العامَ الذي بَدَأ أمس أم لَاَ؟ قَالَ ابنُ رجب رَحِمَهُ الله موعظَةً بَليغة: يَا أَبْنَاءَ العشرين كَمْ مَاتَ من أقرَانِكُم وتَخَلَّفتُم, يَا أبناءَ الثلَاَثين أَصَبْتُم بالشَّبابِ عَلَى قُرْبٍ من العَهدِ فَمَا تَأسّفتُم, يَا أبناءَ الَأربعين ذَهَبَ الصِّبَا وأنتُم على اللَّهو قد عَكَفتُم, يا أبناءَ الخمسين تنصّفتُم المائةَ ومَا أنصَفتُم يا أبناءَ السّتين أنتُم عَلَى مُعتَرَكِ المَنَايَا قَدْ أشرَفتُم أتلهُونَ وتَلعبُون؟ لقد أسرَفتُم.
  أَعَيْنَايَ هَلَّا تَبْكِيَانِ عَلَى عُمْـرِي         تَنَاثَرَ عُمْرِي مِنْ يَدِي وَلَا أَدْرِي
  إِذَا كُنْتُ قَدْ جَاوَزْتُ سِتِّينَ حَجَّةً        وَلَمْ أَتَأَهَّبْ لِلْمَمَاتِ فَمَا عُذْرِي؟
 وبَعدُ فَيَا عِبادَ الله, أعْظَمُ وصيةٍ تُبذَلُ في بِدَايةِ أيِّ عَامٍ وأيِّ شهرٍ وأيِّ يومٍ وأيِّ ليلَةٍ الوصيةُ بتقوى اللهِ ثُمَّ بالتوبةِ النصوح ثُمَّ بالعملِ الصالِح ثُمَّ بِالبُعدِ عن أسبابِ سخطِ اللهِ, نُوصِيكُم بِتَعبيدِ أنفسِنَا لَهُ, فنُخلِصُ لَهُ في أعمالِنا, في نياتِنَا, في أقوالنا, في أفعالنا, نَطْلُبُ مَا لَدَيه, نَتَوَكَّلُ عليه, نَقِفُ بينَ يَديه رَغْبَةً ورَهْبَةً إليه وَطِّنُوا أنفسَكُم من بدايةِ العام عَلَى تَطبيقِ هَذِهِ المقاصِدِ حَتَّى تَكونُوا عَلَى استعدادٍ لِلِقَاءِ الله في أيِّ لَحْظَةٍ من حياتِكُم فَكُلُّ لَحظَةٍ تَمُرّ تُدنِي من الَأجلِ,
إِنَّــا لَنَفْـرَحُ بِالْأَيَّـامِ نَقْطَعُـهَا       وَكُـلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الْأَجَلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا       فَإِنَّمَا الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ فِي الْعَمَلِ
اللهم اجعل خَيْرَ أعمالِنَا ..
عباد الله, يَقولُ العَلَّامَةُ ابنُ القَيِّم رحمه الله: السّنةُ شَجَرَة, والشهورُ فروعُها, وَالْأَيَّامُ أَغْصَانُهَا, والساعاتُ أوراقُها, والَأنفَاسُ ثَمَرُهَا, فَمَنْ كَانَت أنفاسُهُ فِي طَاعَةِ اللهِ فثمرةُ شجرتِهِ طيبَة, وَمَنْ كَانَت فِي مَعْصِيّةٍ فثمرتُهُ حَنظَل, وَإِنَّمَا يَكونُ الجَذَاذُ يَوْمَ الْمعَاد, فَعِنْدَ الجَذَاذِ يَتَبَيَّنُ حُلْوُ الثِّمَارِ مِنْ مُرِّهَا.
ألَاَ فَلتَكُن أنْفَاسُنا كُلُّهَا في طَاعَةِ الله لِنَكُنَ مِمَّن طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ, وَشهرُكُم هَذَا شَهْرُ المُحرَّمِ يُشرَعُ فيهِ الصوم, لِأنَّ النبيَّ r كَانَ يَتَحَرَّى الصومَ فِيه, وآكَدُ صَومِهِ عَاشوراء, العَاشِرُ منه, فصَومُهُ يُكَفِّرُ السَنَةَ الماضية, ومَنْ السُّنَّةِ أن يُصَامَ مَعَهُ يومٌ, يَا قَبْلَه أو بَعدَه, ومَنْ صَامَهُ وحدَهُ أجزئَهُ لَكِنَّهُ تَرَكَ الَأفضل, ومَنْ صَامَ الثلَاثةَ التاسِعَ والعاشِرَ والحادِيَ عَشَر حَقَّق الَأكمَل.
وَفَّقَنَا اللهُ وَإيّاكُم لِمَا يُحِبُّهُ ويَرضَاه.

خطبة بـ عنوان : "مخالفة الكفار"

عباد الله, اليومُ التاسِعُ من المُحرَّم وغداً عاشوراء, وقَدْ عَزَمَ النبيُّ r أن يَصومَ هذا اليومَ مع غَدٍ فَقَالَ r في سَنَةِ وفاتِهِ: إِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ, يعني مع العاشِر, فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ r, لَكِنَّهُ نَدَبَ النَّاسَ بقولِهِ. حَتّى قَالَ ابنُ عبّاسٍ y فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: خَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ.
لِمَاذَا يُضَافُ مع عاشوراء يَوم؟ هَذِهِ الِإضافَةُ تأصِيلَاً لقاعِدَةٍ عظيمةٍ من قواعِدِ الِإسلَامِ هِيَ مخالفةُ أهلِ الكتابِ وَالمشركين. هَذِهِ القاعدةُ دَلَّت عَليهَا أدِلةٌ كثيرةٌ من كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رسولِهِ r, قَالَ تَعَالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ} وَيَقولُ النبيُّ r خَالِفُوا الْيَهُودَ, وتَارَةً يَقول: خَالِفُوا أَهْلَ الكِتَاب. وتَارَةً يَقولُ: خَالِفُوا المُشْرِكِين. وتَارَةً يَقول: خَالِفُوا الْمَجُوسَ. بَلْ أورَدَ أهلُ العلمِ أكثرَ من مائةِ دَليل في الَأمرِ بالمخالفة حتى قَالَتِ اليهود: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ يعني النبيَّ r .. مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ. وَهَذَا يَدُلُّ – كَمَا قَالَ ابنُ تَيميّة – عَلَى أنَّهُ r خَالَفَهُم في عَامَّةِ أمورِهِم حتى قالوا هَذِهِ المَقالَة.
عباد الله, لِمَاذَا كُلُّ هَذَا؟ لِمَاذَا هَذِهِ المخالَفَة؟ قَالَ أهلُ العِلم:
أَوْلَاً: تَمييزاً لِلحَقِّ وأهلِهِ عَن الباطِلِ وأهلِهِ, فَمُخَالَفَةُ المشركين فيما هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِم يُظهِرُ التبايُنَ بينَ المؤمنينَ والكافرين في الظَّاهِرِ ويَدُلُّ عَلَى هَذِهِ العِلَّةِ أنَّهُ لَمَّا قِيلَ للنبيِّ r إِنَّ الْيَهُودَ تُعَظِّمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ, وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا قَالَ r: صُومُوهُ أَنْتُمْ فُرْقَانَاً بينَنَا وبينَهُم في الهَدْيِ فَهُم يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا ونَحْنُ نَصومُهُ, ونَصومُ يَومَاً قَبْلَهُ أو بَعْدَهُ.
ثانياً: هَذِهِ المُخَالَفَة تَربيَةً لِأفرادِ الَأُمَّةِ عَلَى شخصيَّةٍ خَاصَّةٍ بِهِم, وتربيةً لَهُم عَلَى نَبْذِ التبعيَّةِ والتقليدِ, وتَأكيداً لِاستقلَاليَّتِهِم عَنْ غيرِهِم بِمَبَادِئِهِم, فَموافَقَةُ الكفارِ تَنَازُلٌ عن المَبدَأ, وذَوَبَانٌ للشخصيّة, وفيهِ إِذلَالٌ لَنَا, وإِعزَازٌ لِمَا هُم عليهِ, ووَسِيلَةٌ لِافتخارِهِم وعُلوِّهِم حَيثُ يَرونَ المسلمين مُوَافِقِينَ لَهُم مُقَلِّدِين لَهُم لِذَا كَانَ من المُقَرَّرِ أنَّ الَأضعَفَ دائِمَاً يُقَلِّدُ الَأقْوَى, فَهِمَ الصحابَةُ هَذَا المَعنى فَلَمَّا عَلِمُوا صيامَ اليهودِ لِعَاشُورَاء مَعَ صِيَامِهِم مُبَاشَرَةً سَألُوا رسولَ اللهِ r فُقَالُوا: اليهودُ يَصومونَ هَذَا اليوم؟ كَأنَّهُم يقولوا: أنتَ يَا رسولَ الله عَلّمتَنَا مخالفَتَهُم وَهُم الَآنَ يَصومُونَهُ فَكيفَ نُخَالِفُهُم؟ ونَستَقِلُّ عَنهُم بدينِنَا ومَبَادِئِنَا؟ فأمرَهُم r بَأنْ يُصَامَ مع عاشوراء يَوم, قَبلَهُ أو بعدَهُ.
ثَالِثَاً: هَذِهِ المُخَالَفَة قَطْعاً لِمَادَةِ التَّشَبُّهِ بِهِم الذي يُؤدِّي إلى مُوَالَاتِهِم والميلِ لَهُم فَالموافَقَةُ في الظاهِرِ تَجُرُّ إلى مَحبَّتِهِم وتَعظيمِهِم والشُّعورِ القلبي بأنَّهُ لَاَ فَرْقَ بينَنَا وبَينَهُم لِذَا قَالَ النَّبِيُّ r: مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُو مِنهُم. قَالَ شيخُ الِإسلَامِ أقَلُّ أحوالِ هَذَا الحديث التحريم وإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقتَضِي كُفرَ المُتَشَبِّهِ بِهِم. كَانَ الِإمامُ أحمدُ بنُ حنبل إذا نَظَرَ إلى نصرانِيٍّ أغمَضَ عَيْنَيهِ فَقِيلَ لَهُ في ذلك فَقَالَ: لَاَ أقدِرُ أَنْ أنظُرَ إلَى مَنْ اِفترَى عَلَى اللهِ وكَذِبَ عَليه. فَإِذَا كَانَ هذا مُجرَّدُ النَّظَرِ فَكيفَ بِمَنْ يَتَشَبَّهَ بِهِم ويُقَلِّدُهُم ويُحَاكِهِم ويَستَضِيفُهُم ويُبَاهِي بِهِم؟ لِيَحذَر مَنْ ابْتُلُوا بالتَّشبُّهِ بِهِم, واَبتُلُوا بالسيرِ في رِكَابِهِم, وابتُلُوا بالِإعجابِ بِمَا عِندَهُم ومُحَاكَاتِهِم فيهِ, لِيَحذَرُوا, ولِيَتَّقُوا اللهَ, وَليَعتَزُّوا بدينِهِم ولِيَحْمَدُوا اللهَ عَلَى نِعمَةِ الِإسلَام ولِيُطَبِّقُوا أحكامَهُ وتعاليمَهُ على أنفسِهِم فوالله لو طبّقنا دينَنَا كَمَا هُوَ, وكَمَا أرادَهُ اللهُ مِنَّا, وعَمِلنَا بأحكامِهِ, وربّينا أنفُسَنَا وأولَادَنَا عليه لَأعزَّنا الله, ولَبَلَغنَا القِمَّةَ في كُلِّ شيء, ولتصدَّرنَا الَأُمَمَ كُلَّهَا ولَكُنَّا أمَّةً قائِدَةً مُهَابَة وَكَانَ أعدائُنا تَبَعَاً لنَا, لَكن لَمَّا تَخلَّى المسلمونَ عن دينِهِم صَارُوا في المؤخِّرَة, وَصَارَت أمَّتُنَا مُنقَادَةً تابِعَةً لَا مَتبوعَة وحَسبُنَا اللهُ ونِعمَ الوكيل وَلَاَ حَولَ ولَا قوّةَ إلَّاَ باللهِ العليِّ العظيم
عباد الله, يَومُ عَاشوراء دَليلٌ أَنَّ اِتِّخَاذَ المُنَاسِبَاتِ أعيادَاً عَادَةٌ لليهودِ مِنذُ القِدَم, ولِذَلك اتَّخَذُوا عَاشوراء عِيداً كَمَا فِي حديثِ أَبِي مُوسَى قَالَ كَانَ أَهْلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَتَّخِذُونَهُ عِيدًا وَيُلْبِسُونَ نِسَاءَهُمْ فِيهِ حُلِيَّهُمْ وَشَارَتَهُمْ. رَواهُ مسلم. هَذَا عِندَهُم أمَّا هَذِهِ الَأُمَّة فَجَعَلَ اللهُ لَهَا عِيدينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا, ومِنْ هُنَا تَعلمونَ أنَّ كُلَّ صورِ الَأعيادِ التي دَخَلَت عَلَى الَأُمَّةِ اليومَ هِيَ مِنْ وَاقِعِ التَّشَبُّهِ بالغير, فَليسَ من دينِنَا عيدُ الَأم ولَاَ عيدُ الحب ولَاَ عيدُ الميلَاد ونَحوُهَا, لَيسَتْ هَذِهِ من دِينِنَا فِي شَئ هِيَ ثَقَافَاتٌ مُستَورَدَة, وَبِدَعٌ مُحدَثَة {مَاَ أَنْزَلَ الَلَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ}.
فَاتّقوا الله عباد الله واَستلهِمُوا من عاشوراء دَرسَ مُخَالَفَةِ الكفار وَرَبُّوا أولَادَكُم عَلَى مُخَالَفَتِهِم, وَحُرْمَةِ التَّشَبُّهِ بِهِم وإلَّا كَانُوا بِهِم مُتَشَبِّهِين ولَهُم مُحبِّين, والمَرءُ يُحشَرُ مَعَ مَنْ أَحَب يومَ القيَامَةِ. فهَل يَرضَونَ أن يُحشَرُوا مَع مَنْ حَكَمَ رسولُ اللهِ r عَليهِم بالنَّار؟ ظَنِّي أَنَّهُم يَقولونَ: لَاَ نَرْضَى ..
اللهم احشرنا مع نبيِّنا وحَبيبِنَا مُحمَّدٍ, واجعلنا تَحتَ لِوَائِهِ, اللهم كَمَا جَمَعتَنَا فِي هَذَا المَكان فَاَجْمَعنَا عَلَى حَوضِهِ, واَسقِنا مِنهُ بِيدِهِ شربةً هنيئةً ..

خطبة بـ عنوان : "الحذر من الإستهزاء بالسنة"

       عباد الله,
مُحمَّـدٌ زِينَةُ الدنيَـا وبَهجَتُهَـا         فَاضَت عَلَى النَّاسِ والدُّنيَا عَطَايَاهُ
مُحَمَّـدٌ رَحْمَـةُ الرحْمَنِ نَفحَتُهُ          مُحمَّدٌ كَمَ حَـلَاَ فِي اللَّفْظِ مَعنَاهُ
المُصطَفَى المُجتَبَى المُحمودُ سِيِرَتَهُ           حَبيبُ رَبِّـكَ يَهوَانَـا ونَهْـوَاهُ
اللهم صل وسلم على سيدِنَا محمد وآلِهِ وصَحبِه.
عباد الله, عَظّم الله شأن نبيَّهُ مُحمَّداً r, وَعَظَّمَ شَأنَ مَا جَاءَ بِهِ, وَنَحنُ نَتَشَرَّفُ بانتمائِنَا لِحزْبِ مُحَمَّدٍ r وهَدي مُحمَّدٍ r وَهَذَا الِانتماءُ لَهُ حَقٌّ, هو حَقُّ التوقيرِ والمتابعة, فمَنْ جَمَعَ بينَ الحُبِّ وَالمتابَعَةِ فقد أدّى حَقَّ هَذَا الِانتماء وإلّا كَانَ انتماؤُهُ اِدِّعَاءَاً, وَكَانَ مُقصِّرَاً, وهناك أقوامٌ بَينَنَا لَا يُتَابِعُ مُحمَّدَاً r ولَاَ يتَّخِذهُ قُدوَةً مع أنَّ اللهَ تعالى قَالَ{لَقَدْ كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اِلَلَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة} وَقَالَ{وَمَا آتَاكُم الرّسولُ فَخُذُوه وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا} ولَا يَكتفي الهَاجِرُ لِمُحمَّدٍ r بهَذَا بَل تَرَاهُ يَسخَرُ من سنتِهِ, ويسخَرُ من أتباعِ مُحمَّدٍ, المُنتسِبينَ لِمَدرَسَتِهِ, المُتمسِّكينَ بِسُنتِهِ.
وتَأمَّلُوا قولَ الحقِّ تَعَالَى {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ. وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ. وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} هُم لَم يَنتَقِصُوا أشخَاصَ المؤمنين وإنَّمَا انتقَصُوا استقامَتَهُم على الِإيمانِ والسنّة, فهم يَسخَرونَ من الوحي الذي جَاءَ من عِندِ اللهِ {وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ. فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}ومَوقِفٌ أُخرويٌّ آخَر يُبيِّنُ لنَا عَاقبةَ الساخرين بأهلِ الِإيمانِ والسنّةِ, أهلُ النَّارِ وَهُم يَصطَرِخُون فيهَا يَقولونَ {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ – فيُجيبُهُم اللهَ – : اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ – لِمَاذَا يَا رَبّ – : إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ: رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ – هم يَسخَرُونَ مِنْ حَالَةِ المؤمنينَ حِينَ يَتَّخِذُونَهُم سِخْرِيَّاً, يهزؤون بِحَالِهِم حينَ يرونَهُم يَدعونَ رَبَّهُم فَقَالَ اللهُ: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} هَذَا الجزاءُ حَقٌّ لَاَ رَيبَ فِيه فاختاروا عباد الله أَيَّ الفريقين؟ فريقَ المستهزئينَ الساخرينَ المُعَذَّبين أم فريقَ المؤمنينَ المتأدبينَ المُتَّبِعِين؟
عباد الله, والبعضُ لَم يَكتَفِ بعدمِ المتابعَةِ والتجرؤِ على المُلتَزِمِينَ بَل تَجرّأَ إلى انتقاصِ الوحيِّ الذي جَاءَ بِهِ صَاحِبُ السُّنّةِ r, فيَهزَأُ بالسنَّةِ القوليةِ الثابِتَةِ عَنِ رسولِ اللهِ, ويَسخَرُ من أحاديثِهِ, وهَذَا سَبَبٌ لنقمةِ اللهِ العاجلة, وتَأمَّلُوا هذِهِ القصة:
كَانَ في أصحابِ الحديثِ رَجلٌ خليعٌ سَمِعَ حديثَ النبيِّ r: إنَّ الملَائِكَةَ لتضَعُ أجنِحَتَهَا لطالِبِ العِلمِ رِضَاً بِمَا يَصنع فَجَعَلَ الماجِنُ في عَقِبَيه مساميرَ حديد وقَالَ: أريدُ أن أطَأَ أجنحةَ الملَائكة, فَأصابَهُ اللهُ بِأَكَلَةٍ في رِجليه, شُلَّت بِهَا رِجلَاهُ ويَدَاهُ وسائِرُ أعضائِهِ. وَمِثلُهُ رَجُلٌ سَاخِر خَرَجَ مَعَ بعضِ المُحدِّثينَ في البصرةِ فَقَالَ: اِرفعُوا أرجلَكُم عن أجنحَةِ الملَائِكَةِ لَا تَكسِرُوهَا كَالمُستهَزِئِ بِحَديثِ النبيِّ r فَمَا تَمَّ كَلَامَهُ حَتى جَفَّت رِجلَاهُ وسَقَط {وَالَّذِينَ يُؤذُونَ رَسُولَ الَلَّهِ لَهُم عَذَابٌ أَلِيم}.
ذَكَرَ هذه القصةَ أبو عبدِالله التيميُّ في شَرحِهِ على مُسلِم, وَذَكَرَ أيضاً أنَّ بعضَ المبتدعةِ سَمِعَ قولَ النبيِّ r: إذا استيقَظَ أحدُكُم من نَومِهِ فَلَا يَغمِس يَدَهُ في الِإِناءِ حتى يَغسِلَهَا فإنَّهُ لَاَ يَدري أينَ باتت يدُهُ؟ فَقَالَ المُبتدع مُتَهَكِّماً: أنَا أَدرِي أينَ بَاتَت يَدِي في الفِراش. قَالَ: فأصبَحَ يَومَاً وَقَدْ أَدْخَلَ يَدَهُ في دُبُرِهِ إلى ذِرَاعِهِ. قَالَ التّيمي: فَليَتَّقِ المرءُ الِاستخفافَ بالسُّنَنِ, ومواضِعِ التوقيف, وانظُر كيفَ وَصَلَ إليهما شؤمُ فِعلِهِمَا.
وَهَكَذَا يَا عباد الله مَنْ يُحَاوِلُ إعمالَ عَقلِهِ القاصِرِ في استيعابِ نُصوصٍ غيرِ معقولَةِ المعنى هَذَا غيرُ مطلوبٍ مِنك, المطلوبُ الَأدبُ مع الوحيِّ فتُؤمِنُ وتُسَلِّمُ وتَقول: سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِليكَ المَصير. فَاللهم ارزقنا الَأدَبَ مع سيدِنا رسولِ الله, والَأدبَ مع سنتِهِ, والَأدبَ مع أمرِهِ ونَهيهِ, اللهم ارزقنا متابعتَهُ ومَحبَّتَهُ ..
عباد الله, في خِضَمِّ هذِهِ التقنيةِ المُتَسَارِعَةِ في وسائِلِ التواصُلِ يتناقَلُ النّاسُ بينَهُم روابِطَ وَمواقِع ومَقالَاتٍ ومقاطِع, لَاَ يَخلُو بعضُها من رائحةِ الِاستهزاءِ بِسُنَّةِ النبيِّ r وبعضِ أحاديثِهِ وبعضِ أَوَامِرِهِ أو السخريةِ بالمُلتزِمينَ بالسُّنة, واسمَعُوا مَاذَا يَقولُ رَبُّكُم؟ {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} فاحذر يا أخِي إِذَا وَصَلَكَ شَيءٌ مِنْ هَذَا أن تَرتَاحَ لَه أو تَحكِيَهُ لغيرِكَ عَلَى وَجهِ الطُرفَةِ والدُّعَابَةِ أو تَنقُلَهُ لغيرِك, إنَّكَ إن فعلتَ كُنتَ أنتَ والمُصدِّرُ لَهُ سَواءً في الحُكم والِإثْم {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}.
إذن مَا المطلوبُ مِنك؟ أنكِر أشدَّ الِإنكار, وحَذِّر مِنه, وكُنَّ ذَابَّاً مُدَافِعَاً عن السنة, وصاحِبِ السنة, وأهلِ السنة حَتى يَحشُرَكَ اللهُ مَعَهُم في مَقعَدِ صِدْقٍ عندَ مَليكٍ مُقتَدِر, اللهم أحينا على الِإسلَام والسنّة, وتوفنا على الِإيمان والسنّة ..