السبت، 1 فبراير 2014

خطبة بـ عنوان: "احترام كتب العلم"

عباد الله, مَاتَ رسولُ اللهِ r ولَمْ يُوَرِّث دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثَ الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ, وهذا العلم يُتلقى ويؤخذ ويُطلب بوسيلتين, الأولى: من أفواه العلماء والمشايخ والمعلمين مباشرة, سواءً حضوراً في حِلَقِهِم وفصولِهِم أو استماعاً لأصواتهم وتسجيلاتِهِم, والثانية: من بطون الكتب, قراءةً ومطالعةً وتكرارَ نظر.
ولأجل هذا العلم الذي في صدور المشايخ عَظُمَت حُرمتُهم, وارتفعت درجتُهُم, قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}, وقَالَ رَسُولَ اللهِ r: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ». وقَالَ عُمَرُ t: «ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِنَّ إِلَّا مُنَافِقٌ: إِمَامٌ مُقْسِطٌ، وَمُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَذُو الشَّيْبَةِ فِي الْإِسْلَامِ». وقال الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «عَالِمٌ عَامِلٌ مُعَلِّمٌ يُدْعَى كَبِيرًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ» وَقَالَ الإمامُ أحمد: «لحوم العلماء مسمومة، من شَمَّها مَرِض، ومن أكلها مات».
ولأجل هذا العلم الذي في سطور الكتب, وعلى ورقاتها, عَظُمَت حُرمَتُها, ووَجَبَت صِيَانَتُهَا, لكن الناس ومع هذه الثورة المعلوماتية والتقنية في استخدام الحاسبات والأجهزة الذكية أصبح الكتاب وحيداً فريداً مهجوراً مركوناً, لا يُطالع ولا يُناظر ولا يُنظَّف, بل قد تصدموا إذا قلتُ لكم: إن بعض الناس يرمي الكتب, دون النظر إلى حرمتها, وحرمة ما فيها من علم وأدب.
عباد الله, لقد كان سلفنا الصالح يُعظّمون الكتبَ ويصونونها, ويَحرصونَ عليها, وعلى جمعِها, أشدَّ من حرصِهِم على جمعِ الدنانير والدراهم, كان الزهري رحمه الله جمع من الكتب شيئاً عظيماً، وكان يلازمها ملازمة شديدة حتى قالت زوجتُهُ: والله إن هذه الكتب أشدُّ عليّ من ثلاث ضرائر. كانوا يجمعون الكتب ليقرؤوها, ويشغلوا أوقاتهم بما فيها من العلم, لا أنهم يزينون بها مجالسهم, ورفوفهم, ومكاتبهم. كلا, رُوِيَ عن بعضهم أنه قال: لقد غَبَرَت لي أربعون عاماً ما قُمتُ ولا نُمتُ إلا والكتابُ على صدري. ويقولُ ابنُ الجوزي رحمه الله عن نفسه: ما أشبَعُ من مطالعة الكتب، وإذا رأيتُ كتاباً لم أره فكأني وقعتُ على كنز، فلو قلتُ: إني قد طالعتُ عشرين ألف مجلد لكان أكثر، وأنا بعد في الطلب.
كانت الكتبُ جليسَهم الذي لا يُمَلّ، وسميرَهُم في الليل, ورفيقَهُم في السفر, ومائدتَهُم في الجلسات، وأنيسَهُم في الخَلَوَات. لماذا كل هذا الِاهتمام؟ لأن هذه الكتب حوت علماً يُزكّي أرواحَهم, وأدباً يسمو بأخلاقِهِم, وأخباراً وسيراً تُعيّشُهُم جواً إيمانياً مع النبي r وصَحبِهِ وأتباعه, قيل للإمام عبدالله ابنِ مبارك: أما تستوحِشُ من مُقامِكَ مُنْفَرِداً ببيتك؟ فَقَالَ: كَيفَ يستوحِشُ من يُجَالسُ النَّبيَّ r وَأَصْحَابَه؟ يعني النظرُ في كتب الحديث والسيرة. وقيل له مرّةً: إذا صليتَ معنا لِمَ لا تجلس معنا؟ قال: أذهبُ فأجلسُ مع التابعين والصحابة. قلنا: فأين التابعون والصحابة؟ قال: أذهب فأنظرُ في علمي فأدرِكُ آثارَهم وأعمالَهم. ما أصنَعُ بكم؟ أنتم تجلسونَ تغتابون الناس!!
أرسل أحدُ الخلفاء لعالِمٍ يطلبُهُ, فاعتذرَ إليه، بأن عنده قوماً من الحكماء يحادِثُهُم، ولَم يكن عندَهُ أحد, فَعَرَفَ الخليفةُ أنه لا أحدَ عندَه، فعاتبَهُ, فسَأله: من كان عندَك؟ فَقَالَ العالِمُ:
لَنَا جُلَسَـــــــــاءُ مَـا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ       أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونَ غَيْبًا وَمَشْهَــدَا
يُفيدوننا من علمِهِم علـمَ ما مضَى      وعَقلاً وتأديبًا ورَأيًا مُسَــــدَّدا
بِلا فتنةٍ تُخشَى ولا سوءِ عِشْرةٍ       ولا يُتَّقَى منهم لسانًا ولا يـَـدَا
من يَقصِد؟ يَقصِدُ الكتب. فانظروا كيف كانوا يعظمون الكتب العلمية ويهتمون بها ويحرصون عليها, ويستفيدون منها, فما مكانةُ الكتب عندنا؟ وما وزنُها؟ وما أهميتُها؟ وما مدى استفادتِنا منها؟ لماذا لا يكون الكتابُ صديقًا لنا روحاً ومَضموناً ومعنىً؟ نستفيدُ منه، ونرتقِي به, ونرفَعُ مكانته، كَمَا قدَّرَهُ أسلافُنَا، يقولُ المتنبي:
أَجَلُّ مَكَانٍ رُمْتَهُ سَرْجُ سَابِحٍ      وَخَيْرُ جَلِيسٍ فِي الزَّمَانِ كِتَابُ
أما علمتم أننا في ذيل الأمم في القراءة؟ مع أننا أمةَ اقرأ, فهل تبقى علاقتُنا بالكتب صوريّةً جماليّةً مجرد إهداءات, تُجمِّلُ الرفوف, والمَجالس؟ بارك الله لي ولكم ..
عباد الله, ظاهرةٌ سلبيةٌ تنتشر أيام الِامتحانات على أبوابِ المدارسِ والمنازِلِ وفي الطرقات وفي مرمى النفايات أكرمكم الله وأكرم بيته, ألا وهي رميُ الكتبِ الدراسية والمذكرات والمختصرات, وإهانتُها, وتمزيقُها والعبثُ بأوراقها بطريقة توحي بعدم احترام العلم, وأدواتِهِ ووسائله, مع أنها تحوي اسمَ الله تعالى, وفيها آياتُه, وأحاديثُ رسولِه r, والحقُّ يا عباد الله, أن الكلَّ مسئولٌ عن انتشار هذه الظاهرة, لكن للآباء, الجُزءَ الأكبر, فعليهم أن يُربوا أولادَهُم ابتداءً على احترامِ الكتب, وصيانتِهَا؛ لِحُرمةِ ما فيها من كلامِ اللهِ U, وكلام رسوله r, قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} رَمَى رجلٌ بِكِتَابٍ عِنْدَ الإمام أَحْمَدَ فَغَضِبَ مِنهُ, وَقَالَ: أَهَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ؟
ربوا أولادكم على تعظيمِ حُرمةِ الكتاب, وأفهموهم أن هذه الكتب الدراسية نعمةٌ من الله لَهم, يجب علينا شكرُها باحترامِها وصيانتِهَا, فالدولة أعزها الله تنفق المليارات في طباعة هذه الكتب. فكيفَ تُرمى وتُهان وتُبتذل بهذه الطريقة المحرمة المؤلِمة؟ النعمةُ إذا لَم تُشكَر تُسلَب. وهناك وسائل لعلاج هذه الظاهرة: إمَّا أن تُعادَ تلك الكتب للمدرسة عند استلام النتيجة. أو يُنشِئ الأبُ مكتبةً خاصة في بيته, خزانةً تكون مَجمَعَاً لكتب أبنائه الدراسية. أو تُهدى لمكتبة مسجد الحي إن وجدت فيه مكتبة. وإلا إن كان ولابد فتُوضَعُ في حاوياتٍ خاصَّةٍ للكتبِ والأوراق. أو تُدفَنُ في مكانٍ طيّبٍ طاهِرٍ محترَم بعيدٍ عن ممرِّ النّاس. أو تُحرَق؛ لفعلِ عثمان t؛ فقد أمَرَ t بتحريقِ الصُحُفِ والمصاحِفِ الأخرى حين جَمَعَ القرآنَ في المصاحف المعتمدة؛ إكراماً لَهَا, وصيانَةً عن الوطءِ بالأقدام, وكَانَ طَاووسُ بنُ كَيْسان يَحرِقُ الصُحُف إذا اجتمعَت عنده, وفيها بسم الله الرحمن الرحيم، وحَرَق عروةُ بنُ الزبير كتبَ فقهٍ كانت عندَه يوم الحرة.
فيجوز إتلافُ الكتب الدراسية إذا لم يُنتَفَع بها, خشيةَ امتهانِهَا، ومع وجودِ آلةِ تمزيقِ الأوراقِ الكهربائية أضحت عمليةُ إتلافِهَا سهلةً وبعيدة عن الِامتهان, فلا يبقى معها أثرٌ للكلمات والحروف.
فاتقوا الله عباد الله, وعظِّمُوا ما عظَّمَ الله, ثم صلوا وسلموا على خيرِ خلق الله ..

خطبة بـ عنوان : "فيم يختصم الملأ الأعلى"

عباد الله, احْتُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ r يوماً عن أصحابِهِ في صَلَاةِ الصُّبْحِ وهم ينتظرونه, حَتَّى كادوا يرون الشمس, فَخَرَجَ r عليهم سَرِيعًا, فأقاموا الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِم, وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، يعني خَفَّف, فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ لأصحابِهِ: «عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ» يعني إبقوا في أماكنكم, ثُمَّ قَالَ: «أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ: أَنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ فَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي فَاسْتَثْقَلْتُ نَوْمًا, فَرَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي رَبِّ. قَالَ r: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ, وَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ.فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ فِي الكَفَّارَاتِ قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ، قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: وَالدَّرَجَاتِ, قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، ثم قَالَ: سَلْ. فَقَالَ r: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ, فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ، ثُمَّ قَالَ r: «إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا».
عباد الله, هذه الرؤية لله تعالى كانت في المنام, رآه  rفي منامه, والله تعالى لا يُرى يقظةً في الدنيا, هذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة, رآه  rفي منامه, وَرُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ, فرَسُولُ اللَّهِ r تَنَامُ عَيْنُهُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ, رآه  rعلى هذه الصورة, لكنها ليست الصورة الحقيقية لله, حاشا ربنا تعالى, فجواز رؤية الله في المنام بأي صورة, لا تدل على أنه هو على حقيقته بهذا الشكل, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, فاللهُ تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}.
وفي الحديث, يسأل اللهُ تعالى نبيَّنَا r: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأَعْلَى؟ يعني في أي شيء, يتباحث ويتناقش الملائكةُ المقربونَ من رَبِّ العزة, إنهم يتكلمون في أعمالٍ صالحةٍ, لهَا فضلُها ومكانتُها وعظيمُ أجرِها, لكن يغفَلُ كثيرٌ من الناس عنها, ولا يُلقونَ بَالاً لهَا, ولا يَحرصونَ عليها, مع أنَّ الملائكةَ المقربين, في الملأ الأعلى, يختصمون فيها لفضلِها.
الأول: الكَفَّارَاتِ، وهي: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، يعني التردد على المساجد, لشهود الصلاة مع الجماعة, وعبَّرَ بالمشي لِعظم الفضل, وكبيرِ الأجر, فإن الماشي للمسجد له بكل خطوة يرفعها حسنة وبكل خطوة يحطها سيئة. فخطواتكم إلى المساجد آثارُكُم, يَكتُبُهَا اللهُ لَكُم, عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ t, قَالَ: كَانَتْ بَنُو سَلِمَةَ فِي نَاحِيَةِ المَدِينَةِ, فَأَرَادُوا النُّقْلَةَ إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ, فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r:«إِنَّ آثَارَكُمْ تُكْتَبُ فَلَا تَنْتَقِلُوا» وفي الحديث الصحيح:«مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ».
قال: وَالجُلُوسُ فِي المَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، يعني المكثُ في المسجد لذكر الله تعالى, ولانتظارِ الصلاة الأخرى, وفي حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r الْمَغْرِبَ، فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ، وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ r مُسْرِعًا، قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: «أَبْشِرُوا، هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى».
قال: وَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكْرُوهَاتِ, يعني إتمامُ الوضوء وإكمالُه وإنقاءُ العضو على المكاره يعني في شِدَّةِ البرد. أعمال يسيرة ثوابُها عظيم, قال: مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ، وَمَاتَ بِخَيْرٍ، وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ قال r: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ». بارك الله لي ولكم ..
عباد الله, أمَّا الدَّرَجَاتِ, فهي, إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قال: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، قال تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}. إِطْعَامُ الطَّعَامِ هي الصدقة بأي صورة, طعاماً أو شراباً أو كِساءً أو مالاً أو دواءً, كلها من أبواب الخير, التي يتقبلها الله من عبده إذا أنفقها خالصا لوجهه تعالى{وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ},{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
قال: وَلِينُ الكَلَامِ، قال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا}. كم من كلمة طيبةٍ ليّنةٍ فتَحت قلباً, وأورثت حباً, وأدامت وداً, وداوت جُرْحَاً, ودَفَنَت بُغضاً. وَلِينُ الكَلَامِ هنا، مُفسَّرٌ في رواياتٍ أخرى بإفشاءِ السلام. وقد قَالَ النَّبِيُّ r: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
قَالَ: وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ. قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} فلن يقومَ لصلاةِ الليل إلا موفَّقٌ عالِمٌ بفضلِ الله تعالى, ولن يتركَه إلا جاهلٌ لا يعرف فضلَه, قيل لأحدِ السلف: كيفَ أستعين على قيام الليل؟ قال: «لا تعصه بالنهار يُقِمك بالليل» إذا رأيت قيامَ الليل ثقيلاً عليك فاعلم أنك محروم مُكبَّل, كبلتك خطاياك, مُكتَّف, قيَّدَتك ذنوبُك, فاتركها, وتُب منها, ليَحيَا قلبُك.
عباد الله, سَمَّى هذه الأعمال درجات, لأنها سببُ ارتفاع العبد في درجات الجنة, والدرجة الواحدة في الجنة, كم تظنون ارتفاعها؟ خمسون سم؟ أو ستون سم؟ الدرجة الواحدة كما بين السماء والأرض, فلا تزهدوا رحمكم الله في هذه الأعمال, التي ترفعكم الدرجات تلو الدرجات, فإنها سبب لدخول الجنات, قَالَ النبيُّ r: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ».
بل لمن فعل هذه, منازل ومساكن وغرف, ليست كغرف الدنيا, وبيوت الدنيا, وصفها النبيُّ الصادِقُ r بقوله: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرُفَاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا» قيل: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ».
هذا وصلوا وسلموا على سيدِ الأنام, وبَدرِ التمام, ومِسكِ الختام, فقد أمركم بذلك الملكُ العلام, فقال في أفصحِ كلام, وأصدَقِ بيان: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

خطبة بـ عنوان : "التواصي بين المسلمين"

عباد الله, ولأن المؤمنين إخوة, فهم فِيمَا بَيْنَهُمْ نَصَحَةٌ, يَنصَحُ بَعْضُهُمْ بعْضاً, ويُوصِي بعضُهُم بعضاً, ويدلُّ بعضُهُم بعضاً على أبوابِ الخيرِ, وطرائِقِ المعروف, ويُحَذِّرُ بعضُهُم بعضاً من الِانغماسِ في المعاصِي والشهواتِ والمنكرات. لَاَ يُغلِقُ كُلُّ واحدٍ بابَ دارِهِ عليهِ ويقول: عليَّ نفسِي, ولا يُضرني مَنْ ضَلّ أو كَلّ أو زَلّ. كلا يا عباد الله, ما هكذا علمنا دينُنا, دينُنا دينُ الترابُط, والتلاحُم, والتراحُم, والتكامل, والتناصُح, والتواصِي.
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}. فالناسُ كُلُّهُم خاسرون هالكون مُعذَّبون إلا من اتصف بأربع صفات, إيمانٌ بالله وبرسوله, وعملٌ صالِح, والتواصِي بين المؤمنين بالحق, أي بأَدَاءِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ والتواصي فِيمَا بَيْنَهُمْ بالصبر, أي عَلَى الْمَصَائِبِ وَالْأَقْدَارِ. هذه أخلاق أهل الإسلام, وهذا مقياس الإيمان.
ولقد أقسَمَ النبيُّ r بقولِهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ. فَقِسْ إيمانَكَ, هل تُحِبُّ لأخيك في أمورِ دينه ما تحبه لنفسِك؟ هل تحب له في أمورِ دنياه ما تحبه لنفسك؟
الأخ الحقيقي, هو مَنْ يَخافُ عليك في دينِك كَمَا يخاف عليك في دنياك, وهو مَنْ يُحرِّصُكَ وينصَحُك في دينك كَمَا يَنصَحُكَ ويُحَرِّصُكَ على أمورِ دنياك, يخاف عليكَ نارَ الآخرة. إن رآك قصَّرتَ في طاعة نصحك برفقٍ وموعظةٍ حسنة. وإن رآك ارتكبت ذنباً نَصحَكَ بحكمة. إن افتقَدَكَ في موطنِ خيرٍ وبِرٍّ سألَ عنك, وبادَرْ لأن تكونَ قبلَهُ فيه, وإن شَهِدَتَ مُنكَرَاً بادَرَ لِانتشالِكَ منه, حِرصاً عليك, ونُصحاً لك. إن رآك ظالماً حَجَزَكَ عن ظلمك, ومنعَكَ منه, وإن رآكَ مظلوماً نصرَكَ, وأيَّدَكَ.
ولقد تطورت يا عباد الله في هذا الزمان وسائلُ التواصل وتعددت وتنوعت, فلمَاذا لا نَستغِلُّهَا في تذكيرِ بعضِنا بحقِّ اللهِ تعالى, وحَقِّ كتابِهِ, وحَقِّ رسولِهِ r, وسننِهِ, لماذا لا نُسَخِّرُهَا في حَثِّ بعضِنَا بعضاً على العملِ الصالِحِ, وإحياءِ السنن, والتحذيرِ من المظالِم والمعاصي؟ الصديقُ الوفيّ, هو مَنْ يُذكرك بالله إذا نَسيت, ويُصبرك إذا ابتُليت, ويُحذرك إذا ظَلَمْت, ويَنصرُك إذا ظُلِمت, ويُخوّفُكَ باللهِ إذا عَصيْت, ويَدعو لك إذا غِبْت. قَالَ مَالِكُ بنُ دينار: كُلُّ أخٍّ وجَليسٍ وصاحِبٍ, لَاَ تستفيدُ مِنهُ في دينِكَ خيراً, فانبِذْ عنَكَ صُحبَتَه.
إنَّ مَنْ نَصَحَ أخاهُ في الدنيا ودلَّهُ عَلَى الخيرِ فَلَهُ مِثلُ أجرِهِ, ويومَ القيامة ستَرَى أثرَ نُصحِكَ لأخيكَ ودَعوتِكَ لَهُ حينَ يَسبِقُكَ بفضلِ اللهِ إلى الجنَّة, ويسألُ عنكَ, فتلحَقُ بِهِ, عَنْ عَلِيٍّ t فِي قَوْلِهِ{الْأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ} قَالَ: خَلِيلانِ مُؤْمِنَانِ، تُوُّفِّيَ أَحْدُهُمَا, وَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ, فَذَكَرَ خَليلَهُ، فيُقَال: اللَّهُمَّ، إِنَّ فُلانًا خَلِيلِي, كَانَ يَأْمُرُنِي بِطَاعَتِكَ, وَطَاعَةِ رَسُولِكَ، وَيَأْمُرُنِي بِالْخَيْرِ, وَيَنْهَانِي عَنِ الشَّرِّ، وَيُنَبِّئُنِي أَنَّي مُلاقِيكَ، اللَّهُمَّ, فَلا تُضِلَّهُ بَعْدِي حَتَّى تُرِيَهُ مِثْلَ مَا أَرَيْتَنِي، وَتَرْضَى عَنْهُ كَمَا رَضِيتَ عَنِّي. فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ فَلَوْ تَعْلَمُ مَالَهُ عِنْدِي لَضَحِكْتَ كَثِيرًا, وَبَكَيْتَ قَلِيلًا. قَالَ: ثُمَّ يَمُوتُ الْآخَرُ فَتَجْتَمِعُ أَرْوَاحُهُمَا، فَيُقَالُ: لِيُثْنِ أَحَدُكُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: نِعْمَ الْأَخُ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ, وَنِعْمَ الْخَلِيلُ. اللهم كَمَا جَمعتَنَا في هذا المكانِ المُبارك, فاجمعنا في دَارِ كَرَامَتِك, اجمعنا يا ربنا في مُستَقَرِّ رحمتِك, اجمعنا يا مولانا بجوارِ نبيك وحبيبِك محمد .. إلخ
عباد الله, مِمَّا يَجِبُ التنويهُ عنه أن بعض الناس تأتيه على جواله رسالةٌ وعظية, فيرسلُهَا دون أن يتثبت عَمَّا فيها, خصوصاً مع كثرةِ المعلومات المتداولَة عبرَ أجهزةِ التواصل والتراسل, إن عليك أن تتثبت في كل رسالة تأتيك, تثبت قبل أن تُرسِلَها وتُعيدَ توجيهَها, واسأل أهلَ الذكر عنها, فقد تحتوي الرسالةُ على أحاديثَ مكذوبةٍ على رسولِ الله r فلا يجوزُ إرسالُها, بل لا يجوزُ روايتُها إلا على وجهِ بيانِ كذبِهَا والتحذيرِ منها. وإلا كُنتَ كَمَا قَالَ r: مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ. قد يأتي إنسان ويقول: لا أدري أن الحديثَ موضوع, أو القصةَ مكذوبة, فنقول له: إسأل أهلَ العلم قبلَ إرسالِهَا, ولا تستعجل بإرسالِهَا بل تثبت من صحةِ محتواها.
أو تحتوي الرسالة على حَثِّ على بدعة لا تجوز, فيجِبُ رَدُّهَا, وبيانُ وجهِ إنكارِها.
أو تحتوي الرسالة على أمورٍ مخالفة كَمَا يقال: أرسلها إلى عشرة أو مئة وسترى ما يَسُرُّكَ ونحوَ ذلك من الألفاظ المحفِّزة على إرسالها, فهذا لا يجوز, لأنه رجمٌ بالغيب, وتَقَوُّلٌ عَلَى اللهِ بغيرِ علم, أو أن يَسأَلَكَ باللهِ أو بأمانَتِكَ أو ذِمَّتِكَ, أن تُرْسِلَهَا ولا تَقِفْ عندَك, هذا كُلُّهُ من تلبيس إبليس, ولا يجوز, لأنَّكَ تُلزِمُ الناسَ بِمَا لَمْ يُلْزِمُهُم بِهِ اللهُ, ولَاَ رَسولُهُ r, وقد تكون الرسالةُ منكرة, فيجِبُ الحذرُ من ذلك, ولا تَكُن مفتاحاً للشرّ ودليلاً عليه رُدَّ عَلَى مَنْ يُرسِلُ لَكَ الكذبَ والبدع بِمَا ذَكرناه, فإن ما ذكرتُهُ هو كلامُ أهلِ العلم وليسَ كلامي, وانصح بِمَا تعلمُهُ من السنةِ الصحيحةِ الثابتة, وبِمَا تَسمَعُهُ من أهلِ العلم الثقات, الراسخين في العلم.
نسأل الله تعالى أن يُرِيَنَا الحقَّ حَقَّاً والباطِلَ باطِلاً وأن يجعلَنَا بالحق مُتَوَاصِين, وعن المنكر مُتَنَاهِين, وأن نكونَ رُحَمَاءَ بينَنَا إلى يومِ الدين .. اللهم آمين.

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

خطبة بـ عنوان: "الحب في الله والبغض في الله"

عباد الله, من أصولِ الإيمانِ عندَ أهلِ السنة, الحبُّ في الله, والبغضُ في الله, عملٌ قلبيٌّ اعتقادي, يَقوى ويزدَاد بقدرِ ما في القلبِ من إيمانٍ صادق, ويقينٍ راسخ, ففي حديثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ t, عن رَسُولِ اللَّهِ r قَالَ: «إِنَّ أَوْثَقَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللهِ». وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ t، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ r أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ».
الحبُّ في اللهِ هو حُبٌّ صادقٌ يَكونُ بينَ مَنْ اجتمَعَت قلوبُهُم على الإيمانِ بِاللهِ وبرسولِهِ, هذا الحبُّ يُوَلِّدُ حلاوةَ الإيمانِ في قلوبِ المُتَحَابَّيْن, ففي الحديث: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ».
عباد الله, والحبُّ في الله, يكونُ بقدرِ ما في قلوبِ المؤمنين من إيمان, وما على سلوكِهِم من تقوى, وما على جوارِحِهم من طاعة قَالَ بعضُ السلف:«أَحِبَّ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ تَقْوَاهُمْ». فالمؤمن الصادِقُ مع اللهِ يَرَى أنّ المعيارَ الحقيقي لمحبتِهِ للمؤمنين هو ما في قلوبِهِم للهِ ولدينِهِ ولرسولِهِ فيمَا يظهَرُ عليهم من نُصرَتِهِم للدين, وغَيْرَتِهِم عليه, وصدقِ إتّباعِهِم لَه, فيُحبهم ويُواليهم وينصرُهُم ويدعو لَهم, لِإيمانِهِم واستقامَتِهِم, ولا يخضَعُ هَذَا الحبُّ للمصالِحِ والمنافع. لكن في هذا الزمان اختلت عندَ بعضِ الناس الموازيينُ الدينية, والمعاييرُ الإيمانية, فَصَارَ حُبُّهم وبُغضُهُم على مقاييسِ الدنيا, وتبادلِ المصالِحِ والمنافِع, فمَن يَنفعُني في دنياي أُحِبُّه ولو كان أفسقَ فاسق, وأعصَى العصاة, ومن لا يَنفَعُني ولا أستفيدُ مِنهُ في دنياي لَاَ أُحِبُّه, ولا أهتَمُّ بِهِ, ولا ألتفِتُ لَه, ولو كَانَ رجلاً صالِحاً مصلحاً, وهذا خَلَلٌ عقائدي كبير, أنْ تدورَ المحبةُ على المصلحةِ وجوداً وعدماً, عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ t قَالَ: «أَحِبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغِضْ لِلَّهِ، وَعَادِ فِي اللَّهِ، وَوَالِ فِي اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَا تُنَالُ وِلَايَةُ اللَّهِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَلَا يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَارَتْ مُؤاخَاةُ النَّاسِ الْيَوْمَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ مَا لَا يُجْزِئُ عَنْ أَهْلِهِ شَيْئًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ». والمعنى, أنَّ كُلَّ صَدَاقَةٍ ومحبةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنَّهَا تَنْقَلِبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدَاوَةً إِلَّا مَا كَانَ لِلَّهِ U فَإِنَّهُ دَائِمٌ بِدَوَامِهِ. قَالَ تَعَالَى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
فاتقوا الله عباد الله, وَلْنُعِدِ النظرَ في علاقاتِنَا مع بعضنا, وفيمن يستحِقُّ حُبَّنَا, ومودّتَنَا. واستمعوا رحمكم الله لهذا الأثر, عن ابنِ عُمَر t قَالَ: «واللهِ لو قُمْتُ الليلَ لَاَ أَرقُد، وَلَو صُمْتُ النَّهارَ لَاَ أُفطِر، لَحُشِرتُ يومَ القيامَةِ مَعَ مَنْ أُحِبّ». وقَالَ ابنُ مسعودٍ t: «واللهِ الذي لَاَ إلهَ إلا هُوَ لَوْ أنَّ رَجُلاً قَامَ بينَ الرُّكنِ والمقامِ يعبُدُ اللهَ سبعينَ سنةً لَبَعَثَهُ اللهُ مع مَنْ أحَبّ». فانظر يا أخي مَنْ تُحِبُّهُ؟ ومَنْ تُوَاليه؟ ومَنْ تُنَاصِرُهُ؟ ومَنْ تُزَاوِرُهُ؟ ومَنْ تَبْذُلُ لَهُ جَاهَكَ ومَالَك؟ أهو من المتقين؟ أهو من الطائعينَ لله؟ أهو من المتّبعينَ لسنةِ رسولِ الله؟ إن كان منهم فأبشِر بالخيرِ العاجِلِ والآجِل, ففي الحديث القدسي: قَالَ اللَّهُ U: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَزَاوَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَنَاصَرُونَ مِنْ أَجْلِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَافَوْنَ مِنْ أَجْلِي - أَوْ قَالَ: يَتَوَاصَلُونَ مِنْ أَجْلِي - وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَبَاذَلُونَ مِنْ أَجْلِي». ورُوِيَ: «لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، أَحَدُهُمَا بِالْمُشْرِقِ وَالْآخَرُ بِالْمَغْرِبِ، لَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَحْبَبْتَهُ فِيَّ» بل يُلحِقُ اللهُ تعالى – كرماً منه – الأدنى منهما درجةً بالأعلى درجة, ففي الأثر: «مَنْ أَحَبَّ رَجُلًا لِلَّهِ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ لِلَّهِ، فَدَخَلَا جَمِيعًا الْجَنَّةَ، فَكَانَ الَّذِي أَحَبَّ لِلَّهِ أَرْفَعَهُمَا مَنْزِلَةً، أُلْحِقَ بِهِ صَاحِبُهُ». تُلحَقُ بدرجَةِ مَنْ تُحِبُّهُ من الأتقياءِ الصالِحين.
اللهم ارزقنا حُبَّك, وحُبَّ نبيّك, وحُبَّ الصالِحينَ من عبادِك, أقول قولي ..
عباد الله, وفي المقابل, المؤمن الصادق يُبْغِضُ العُصَاةَ لله ولو كانوا أقربَ الناس, يُبْغِضُهُم لمعاصيهِم ولفسقِهِم, ولِبُعدِهِم عن اللهِ وعن طاعتِهِ, قَالَ نبيُّ اللهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ u: «يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، تَحَبَّبُوا إِلَى اللَّهِ ببُغْضِكُمْ أَهْلَ الْمَعَاصِي، وَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِمَا يُبَاعِدُكُمْ مِنْهُمْ، وَالْتَمِسُوا رِضَاهُ بسَخَطِهِمْ, قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ، فَمَنْ نُجَالِسُ؟ قَالَ: جَالِسُوا مَنْ يُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ رُؤْيَتُهُ، وَمَنْ يَزِيدُ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَمَنْ يُرَغِّبُ فِي الْآخِرَةِ عَمَلُهُ».
وإذا كَانَ هَذَا البغضُ في حَقِّ العاصين المؤمنين, فكيفَ بالكافرين الأصليّين؟ ومَنْ مات على ملةِ الكفر؟ إنك لتعجَبُ حينَ تقرأ من يُمجِّدُ الكفار, ويتباكى عليهم بعدَ موتِهِم, ويُعدِّدُ مَآثرَهُم في كلماتٍ تُوحي بمودَّتِهِم ومحبتِهِم والإعجابِ بِهِم, فأين البُغضُ لله لكفرِهِم بالله؟ أين البَرَاءُ من الكفار؟ أينَ الإيمانُ الذي يُحَبِّبُّنا في المؤمنين ويُبغِّضُنَا في الكافرين؟ اعلموا أنَّهُ مهما عَمِلَ الكافرُ من عملٍ خيريّ أو تطوعِيّ أو ناضَلَ أو كافَحَ, فلن ينفعَهُ ذلك عندَ الله, قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا}. إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ, يَصِلُ الرَّحِمَ، ويَقْرِي الضَّيْفَ, وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَيَفُكُّ الْعَانِ, وَيُحْسِنُ الْجِوَارَ, يعني كَانَ مُتَفَضِّلاً يُقَدِّمُ المعروفَ, ويَبذُلُهُ, تقولُ أمُّ المؤمنين عَائِشَةُ t: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: «لَا, لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ». فهذا دلِيلٌ عَلَى أَنَّ مِنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ لَا يَنْفَعُهُ عَمَلٌ. والأعجب حين يأتي مَنْ يترحَّمُ عليهِ بعدَ مَوتِهِ مع أنَّهُ لا يجوزُ الترحمُ عليه, ولا الدعاءُ لَهُ بالمغفرة. لأنَّهُ من أصحابِ النَّار, والدليل: من القرآن, قَالَ تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} ومن السنة: قَالَ رَسُولُ اللهِ r: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ».
فاتقوا الله عباد الله, واستكمِلُوا إيمانَكم, وحقّقوه, وأحبّوا المؤمنين المتقينَ في الله, ولله, وأبغِضُوا الكافرين والعصاة في الله, ولله, واسألوا الله الثبات على دينه حتى نلقاه.

خطبة بـ عنوان: "النية الصالحة"

عباد الله, منازلُ النعيمِ في الآخرةِ لن يَبلُغَهَا عبدٌ قَصُرَ عُمرُهُ وانقطَعَ بِهِ عملُهُ واخترمَهُ أجلُهُ أعمارُنا قصيرة وأجسادُنا ضعيفة وأعمالُنا مَهما كَثُرَت فهي قليلة لن توفي حق الله علينا لكنَّ اللهَ الرحيمَ الكريمَ لَطيفٌ ودود, فَتَحَ لنَا باباً من الخيرِ عظيم, باباً يَغْفَلُ عَنهُ النَّاس, باباً, إن لَزِمنَاهُ, وحافظنا على بقائِهِ مفتوحاً بلّغنَا اللهُ بِهِ الدرجاتِ الرفيعة, والمنازلَ المُنيفة, والمساكنَ الشريفة, {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} إنه بابُ النية الصالحة, وما يَقَعُ في نفسِكَ أيها المسلم من نيةِ الحرص على الطاعة, ونيةِ العزمِ على الخير, ونيةِ الْهَمِّ بالحسنة, هَذَا بابٌ يغفَلُ عنهُ النَّاس, فنيَّتُكَ أبلَغُ من عَمَلِك, وإن قَصُرَ عُمُرُك, يقولُ النَّبِيُّ r: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» قَالُ أهلُ العلم: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ حَسَنٌ, وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ U يُخَلِّدُ الْمُؤْمِنَ فِي جَنَّتِهِ بِنِيَّتِهِ لا بِعَمَلِهِ، وَلَوْ جُزِيَ بِعَمَلِهِ؛ لَمْ يَسْتَوْجِبِ التَّخْلِيدَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ فِي سِنِينَ مَعْدُودَةٍ، وَالْجَزَاءُ يَقَعُ بِمِثْلِهَا وَأَضْعَافِهَا، وَإِنَّمَا يُخَلِّدُهُ اللهُ U بِنِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ نَاوِيًا أَنْ يُطِيعَ اللهَ U أَبَدًا لَوْ أَبْقَاهُ أَبَدًا، فَلَمَّا اخْتَرَمَهُ دُونَ نِيَّتِهِ؛ جَزَاهُ عَلَيْهَا التَّخْلِيدَ أَبَدًا. اهـ
عباد الله, مِنَّا مَنْ يَنوِي الخير, لكن لا يستطيعُهُ أصلاً, فهل يفوتُهُ أجرُهُ وثوابُهُ؟ تأملوا هذه المواقف ففيها الجواب, في غزوة تبوك, جاء نفرٌ من فقراءِ الصحابةِ إلى النبيِّ r جائدين بأنفسِهِم لله, يريدونَ أن يَحمِلَهُم معَهُ إلى الجهاد, غيرَ أنَّهُ r اعتذَرَ لَهُم, لَم يجد ما يَحمِلُهُم عليه, فتولَّوُا وأعينُهُم تفيضُ من الدمعِ حَزَناً أن يتخلَّفُوا في المدينةِ عن الجهادِ مع رسول الله, فأنزَلَ الله قولَه: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} فهل فاتَهُمُ الأجر؟ هل فَاتَهُمُ الثواب؟ كلَّا, فإنَّ اللهَ المطلَّعَ على خبايا النفوس, وما تُكِنُّ الصدور, أعطاهم أجرَهُم, وأجزَلَ ثوابَهم, لنيتِهِم الصالحة, وحِرصِهِم على فعلِ الخير, والمشاركةِ فيه, ولو منعَهُم عذرُ الفقرِ أو المرض, في صحيحِ البخاري, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r لَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ, فَدَنَا مِنَ المَدِينَةِ, قَالَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا, مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا, وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ». فَأَعْطَى r لِلْمَعْذُورِ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا أَعْطَى لِلْقَوِيِّ الْعَامِلِ, لنيتِهِ المشاركةِ في الخيرِ والعملِ الصالح. فانظروا كيف أنَّ نَيَّتَهُ بَلغَت بِهِ درجةَ العاملين, قَالَ العلماء: النِّيَّةُ دُونَ الْعَمَلِ تَكُونُ طَاعَةً وفي الصحيح: «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً».
وموقف آخر لِتَرَوْنَ أثرَ النيّة, قَالَ النبيُّ r: وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا، وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا يعني صاحبَ المال عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r: فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ. مجرد أنَّه نوى أن يتصدَّقَ مثل ذاك الغني نَالَ مِثْلَ أجرِهِ.
فالحمدُ للهِ على فضلِهِ وإحسانِهِ مَا دُمنَا نَنوِي الخير فنحنُ في خير فلنستبشر بفضلِ الله, ورحمتِهِ, إنووا الخير, واِعزِمُوا على فعله, وباشروه, ولا تتركوه باختيارِكم بل اِحرصُوا عليهِ جُهدَكُم, فإن حَالَ دونَكَم ودونَهُ حائِل نِلْتُم ثوابَهَ وأجرَهَ, لأنكم نويتمُوه, قَالَ النَّبِيُّ r: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ».
فيا أخي المسلم, إنوِ أن تحافِظَ على الجماعة, إنوِ أن تكونَ من المتهجدين, إنوِ أن تعملَ كالمُنفقِين, إنوِ أن تكونَ كالمرابطين, المجاهدين, إنوِ أن تنصُرَ إخوانَك المظلومين, إنوِ أن تفرّجَ على المَكروبين, قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ: أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَجَاعَةٌ, فَمَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الرَّمَلَ دَقِيقٌ لِي فَأُطْعِمُهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ, قَالَ: فَأُعْطِيَ عَلَى نِيَّتِهِ. إنوِ الخير اِستحضر النيةَ الصالحة فالنية, لا تحدُّهَا أزمنة, ولا تحولُ دونَهَا أمكنة, ولو حصل لك مانع, بلَغْتَ درجةَ العاملين بنيَّتِكَ. اللهم أصلح نياتِنا, وطهّر سرائرَنا, واجعل قلوبَنا مُقبلةً على الخير, وعَلَى مَا يُرضيك يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ, أقول قولي هذا ..
عباد الله, العادات تنقلِبُ إلى عباداتٍ نؤجَرُ عليها إذا قَرَنَّهَا بالنيةِ الصالِحة, فمثلاً, الزوجُ الذي يَقصِدُ بِجِمَاعِهِ لِامرأتِهِ أن يَعُفَّهَا ويَعُفَّ نفسَهُ ويَصونَهَا عن الحرام مأجورٌ, قَالَ المُصطَفَى r: وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ». النفقةُ على الزوجةِ والأولاد إذا صاحبتهُ النيّةُ, واحتسبَهُ الإنسانُ عندَ الله, نَالَ عليهِ من اللهِ أجراً مضاعفاً قَالَ النبيُّ r لسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ t: «وَلَسْتَ تُنْفِقُ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَجْعَلُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ».
أكلُكَ شُربُكَ حركتُكَ نومُك, إذا نويتَ بها التقوِّيَّ على طاعةِ اللهِ أُجِرتَ عليها, قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ t: «إنّي لأحتسِبُ نومتِي كَمَا أحتسِبُ قَومَتِي».
عَمَلُكَ الوظيفيُّ ودوامُكَ اليوميّ إذَا قرنته بنيةِ نفعِ عبادِ الله, ومصلحةِ الأُمّة, طلباً لمرضاةِ الله, أجرت عليه.
فاتقوا الله عباد الله, واستصحبوا النية الصالحة, لننوِ النيةَ الحسنةَ في عباداتِنَا في معاملاتِنَا، في تربيتِنَا لأولادِنا، وزياراتِنَا لأقاربِنِاَ، في عملِنَا الوظيفي، في أمورنا الدنيوية, في شغلِ أوقاتِنَا, لننوِ النيَّةَ الحسنةَ في كل دقيقةٍ نستقبِلُهَا حتى إذا حَالَ بينَنَا وبينَهَا أجلُ اللهِ المحتوم أدركنا منها بنيَّتِنَا ثوابَ اللهِ المعلوم.
فاللهم أحسِن نياتنا، وصوِّب وُجِهَاتِنَا، وأخلِص لَكَ سَرَائِرَنَا, ثم صلوا وسلموا رحمكم الله ..

خطبة بـ عنوان: "الفتنة في الدين"

عباد الله, مَنْ رَضِيَ باللهِ ربّاً, وبالإسلامِ ديناً, وبمحمدٍ نبيّاً, لن يسلَمَ الفتنةَ, قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}وأعظم الفتن الفتنة في الدين ولذا كان من دعاءِ النبيّ r المأثورِ عنه: وَلَاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتِي فِي دِينِي. كُلُّ الفتن تهون إلَّا أن تُفتَنَ في دينِك, فيأتِي مَنْ يُسَاوِمُكَ عليه, ومَن يَضغَطُ عليك لِتَتنازَلَ عنه, ولقد قَصَّ اللهُ علينا قَصَصَ أقوامٍ فُتِنُوا في دينِهم حتى قُتلوا وحُرّقُوا وقُطِّعُوا, قَصَّهُم اللهُ علينا, لِنعلمَ عِظمَ الفتنة في الدين, وعِظَمَ ثوابِ الثباتِ فيها. من ذلك, قصةُ أصحابِ الأخدود, شعبٌ كامل فُتِنُوا في دينهم, والسبب أنهم آمنوا بالله, {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} جاء ملكُهُم الظالم, فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ فِي أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَأُضرِمَت فيهَا النِّيرَانَ، وقال لجنودِهِ: مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ دِينِهِ أي عن توحيدِ اللهِ فَطرَحَوهُ فِي النَّار. فطُرِحُوا فِيهَا أفراداً وجماعات وأمماً, لا يريدون أن يكفروا باللهِ, رضوا بنارِ الدنيا ولا نار الآخرة. إنها الفتنة في الدين.
ومن ذلك, ماشطةُ ابنةِ فرعون, فُتنت في دينِها, كانت تُمَشِّطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ, فسَقَطَ الْمُشْطُ, فذكرت اسمَ الله, قَالَتْ: بِسْمِ اللهِ. فَقَالَتْ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لَا، رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللهُ. فأخبرت البنتُ أباها, فَدَعَاهَا، قَالَ: يَا فُلانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ. فَأَمَرَ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُلْقَى هِيَ وَأَوْلادُهَا فِيهَا، فقالت: لِي حَاجَة, أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَتَدْفِنَنَا. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، كَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ، فقَالَ: يَا أُمَّهْ، اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ. إنها الفتنةُ في الدين. وقد أخبرنا النبيُّ r أنه وَجَدَ رَائِحَةً طَيِّبَةً فَقَالَ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا.
عباد الله, الفتنةُ في الدين عظيمة, ولأنَّها عظيمة, كانت سنةُ الأنبياءِ والمرسلين وأتباعِهِم الهروبَ منها, والفرارَ بدينِ الله من مواطِنِهَا, كأصحاب الكهف, اِعتزَلُوا قومَهُم لَمَّا أشركوا بالله, لِمَاذَا؟ خافوا الفتنةَ في دينهم, ولذلك ورد أنه في آخر الزمان, يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ.
ومع هذا كُلِّهِ يأتي للأسف من يتعرَّضُ للفتنةِ في الدين, ويقتحِمُهَا بقدميه, ويخوضُ فيها, ويتلوّث بقَذَرِهَا, ويستقِي من طينتِها, تراه ينشأ في بيئةٍ إسلاميّة مِن والدين مسلمين وسط شعائر إسلامية ظاهرة, ولا يَحمدِ اللهَ على هذا, بل تراه يبحث عن ثقافات مستوردة, ويطّلعُ على عقائدَ باطلة بدعوى الِانفتاح على الآخر, أو التقارب مع الآخر, أو زيادةُ معرفة, فيقَعُ في المحذور, ويُفتَنُ في دينه عياذاً بالله, يستغل الشيطانُ ضعفَ إيمانه, وحِرصَه على الِاطلاعِ على الباطل, فيزيّنَه له, ويُحبَّبَه فيه, ولربما أُشرب حُبَّه, وأُعجبَ بِهِ, ومتابعةِ أقوالِ أهله, فينتكِس, فهذا استجلَبَ الفتنةَ لنفسه, وسَمَحَ لهَا أن تتسلَّلَ لَه, ولو أنه سَدَّ بابَها, وأغلق مجراهَا, وقطَع طريقَها, لَمَّا تأثَّر {وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.
وتأملوا قصةَ عُمَر t أَتَى عُمْرُ النبيَّ r فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ مِنْ يهود تُعجِبُنَا, أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ وقيل: أَتَاهُ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ فَغَضِبَ r, وَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ؟ يعني مُتَحَيِّرُونَ مُتَرَدِّدُونَ في دينِكُم, أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُونَهُ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُونَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا، لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي. هذا الكلام قالَهُ النبيُّ r لعمر, وهل أحدٌ يشك في قوةِ إيمانِ عمر, وقوةِ يقينه؟ ومع هذا كُلِّهِ, خَافَ عليه النبيُّ r أن يُفتَنَ في دينِهِ فكيفَ بغيرِهِ وبِمَنْ دونَه؟ البعضُ يَسمحُ لأولاده بالدخول لمواقع الإلحاد والكفر بالله, إلى مواقع يُتكلَّمُ فيها في ثوابت الدين وأصول الشريعة, بكل استهتار, ألا يخاف على دينهم؟ يدخلوها مؤمنين, ويتكلمون بكلمة الكفر, ولربما خرجوا منها كافرين, إنها الفتنة في الدين.
وسؤال: لِمَاذَاَ يُرسِلُ البعضُ أولادَهُ للخارج, لديار الكفر, سواءً لدراسة أو عمل ولا يهتم بدينهم, مع أنهم سيرون كنائس, وسيحتكون بنصارى ضُلَّاَل, ودعاةِ باطل, وعَبَدَةِ شيطان, ولا يهتم بتحصينهم عقائديَّاً, ألا يخافُ على دينِهِم؟ ألا يخاف على عقيدتِهِم؟ المسألة خطيرة, فلا تغفلوا عنها, ولا تتساهلوا بها, فاتقوا الله عباد الله, واحرصوا على أبنائكم وبناتكم, لا تعرضوهم للفتنةِ في دينهم, فأنتم عنهم مسئولون, وعلى تفريطكم في رعاية دينِهِم نادمون, حصّنوهم بدينِ الله, وبكتابِ الله, وأسسوا في نفوسهم مراقبةَ الله, اللهم لا تردنا على أعقابنا بعد إذ هديتنا, اللهم أحيينا مسلمين وتوفنا مسلمين, وأعذنا من الردة في الدين, اللهم قو إيماننا, وحصن أبنائنا, واغرس في قلوبهم حبَّك وحُبَّ نبيك وحُبَّ دينِك وحُبَّ كتابِك والدفاعَ عنها بكل ما أوتوا ..
عباد الله, إياكم ومواطن الفتن التي تَفتِنُ دينَكم, وتُلوّثُ صافيَ عقائدكم, وتُدنّس طاهرَ قلوبكم, وعلاقتِكم بربِّكُم, اِبتعدوا عنها, وفِرُّوا منها, ولقد قال العلماء: لا يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفر إلا بثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ الكفار يفرحون باستقدام المسلمين, فيوردون عليهم الشبهة, ليبقي المسلم شاكّاً متذبذباً، فيشك في الثوابت المتيقَّنَة فيضعف إيمانُهُ ويهتز يقينُهُ, ويُسلب منه دينُهُ رويداً رويداً فلابد من علم يدفع به الشبهات
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات؛ بلاد الكفر, بلاد التحرر الشهوات في المتناول، خمر، زني، لوط, شذوذ, علاقات محرمة, معاملات محرمة, فلابد أن يكون عند المسلم دين قوي قائم على مراقبة الله, يعصمه ويحميه من الشهوات.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلى ذلك السفر؛ لمرض أو علم أو تجارة, مضطرّاً له, يضطر للسفر استشفاءً أو يضطر للسفر تعلماً أو يضطر للسفر تجارةً, فلا بأس بذلك حال قيام العلة والضرورة, مع وجود الشرطين السابقين, فإن انتفت انتفى الحكم.
وكل ذلك حتى لا نُفتَنَ في ديننا, وإيماننا بربنا, فاتقوا الله عباد الله, وحافظوا على إيمانكم بربكم, واسألوا الله الثبات عليه حتى الممات.