الجمعة، 21 مارس 2014

خطبة بـ عنوان: "مجالسة الأب لأسرته"

عباد الله, أيام الدراسة والعمل, الكُلُّ مشغول, الأبُ في عمله ووظيفته, والأولادُ في مدارسهم, والأمُّ في اهتماماتها الخاصة, مِمَّا أضعَفَ الترابُطَ الأسري, بين الأبِ وأهلِ بيتِهِ, وحَصلَت من جَرَّاءِ ذلك فَجوةٌ بين الأبِ وأسرتِهِ, واتسعت الفجوة, بسبب العكوفِ الطويل على وسائِلِ الاتصالات, والأجهزةِ الذكية, والتي انتشرت في المجتمع انتشارَ النَّارِ في يابِسِ الحطب, وكَثُرَ استخدامُهَا وتناوُلُهَا من الجميع, فأصبح الإنسان معها كالغريبِ في بيته وكالغريبِ بين أصحابِهِ وأقرانه, الكُلُّ مشغولٌ بجهازِهِ مع نفسِهِ خصوصاً في البيتِ الواحد, ففُقِدَ الترابطُ العائليّ والتواصلُ الأسري الذي تربينا عليه, ونشأنا عليهِ من السابق مع أبائنا وأمهاتنا رحمهم الله, أصبحت كثيرٌ من الأُسَر مجتمعةً شكلاً, مفككةً روحاً ووجداناً.
أيها الأب, اعلم رحمك الله أنَّ الأسرةَ كالجسد وأنتَ في الأسرة كالرأس من الجسد, فهل يُتَصَوَّرُ أن يعيشَ جسدٌ بلا رأس؟ الأسرةُ من غيرِك وبدونِك, كالجسد بلا رأس, فَقُم بواجبِك, ومسؤوليَّتِك, وأعِدْ لأسرتِك روحَ الترابُطَ, أعِدْ النظرَ في علاقَتِك بأهلِ بيتِك, أعِدْ النظرَ في ترابُطِكَ بأسرتِك واهتمامِكَ بِهَا إجْلِس معها وعِشْ معها جَوَّهَا وواقِعَهَا ومشاعِرَهَا ومشاكِلَها, واهتماماتِهَا, ورَغَبَاتِهَا. وهل أنت أيها الأبُ أكثرُ شُغْلاً من رسولِ اللهِ r نبيِّ الأمة, وقائِدِ الأُمَّة, في أوجِ انقطاعِهِ لِربه, وتفرُّغِهِ له, واعتكافِهِ في مسجدِهِ مَا نَسِيَ أهلَه, وأسرتَه, وما انحجَبَ عنهم, وما ترَكَهُم, وما أهمَلَهُم, وما انقطَعَ عنهُم, فها هي زوجُهُ صفيَّةُ t تزورُهُ في مُعتَكَفِهِ, وتَجلِسُ معَه, ويُعطيهَا من وقتِهِ الثمين, وهو في أشَدِّ الْحاجَةِ لِهَذَا الوقت ولكن ليُعَلِّمَ أمَّتَهُ حَقَّ الأهلِ على الأب.. تَجلِسُ معه, وتتحدَّثُ معَه, ثُم تنقَلِبُ إلي بيتِهَا, ويخرُجُ معهَا r, اهتماماً بأهلِهِ, وحرصاً على أن لا ينقطِعَ عنهُنَّ, أو ينقَطِعْنَ عنه, هذا وهو رسولُ الله, قائِدُ الأُمَّة, وفي أوجِ انقطاعِهِ لِربه. فَمَاذا أنتَ فاعِلٌ أيها الأبُ الكريم؟ هل يمنعك عن أهلِك دينُك؟ وعبادَتُك لربِّك؟ أم كَبَدُ الدنيا وكَدُّهَا ونَصَبُهَا؟
ألَاَ فَاعلَم أنَّ كثيراً من الزوجاتِ والأبناءِ والبنات يَبثُّونَ شَكواهُم وهُمومَهُم ومشاكِلَهُم وأسرارَ واقِعِهِم العائليّ عبرَ برامجِ التراسل, ومواقِعِ التواصل, فأينَ الأبُ عنهم؟ إنِّي أجِدُ يَا عباد الله, في الإجازات الدراسية المتكررة فرصةً لكل أبٍ وولي أمرٍ أن يوثِّقَ علاقتَه بأهلِ بيتِهِ وأبنائِهِ وبناته حيث ينفَكُّ ارتباطُهُم بمدارِسِهم, دوامَاً ومذاكرةً, ففرصةٌ لك أيُّها الأبُ أن توثِّقَ ارتباطَكَ بهم, وتُجدِّدَ العهدَ بهم, فتجلِسُ معهم وتسمعُ منهم وتعيشُ نفسياتِهم, وتعالِجُ مشكلاتِهِم, وتفهمُ منهم ما يريدون؟ وفي أيٍّ شيء يفكرون؟ ومن يُصاحِبون ويُخَالِطون؟
الحصيفُ مَن يستغِّلُ أوقاتِ فراغِهِ وفراغِ أبنائِهِ فيبني فيها جسورَ التواصل بينَهُ وبينهم ويبني الثقةَ بينه وبينهم, ويَختَرِقُ مَشَاعِرَهُم, يَجلِسُ معهم بدلَ جُلُوسِهِم على جوالاتِهِم, يَجلِسُ معهم بَدَلَ جُلُوسِهِم على الفضائيات المضعفةِ للدين, والمفسدةِ للقيمِ والأخلاق, يَجلِسُ معهم بَدَلَ جُلُوسِهِم على الأرصفة وفي الأسواق, يَجلِسُ معهم بَدَلَ جُلُوسِهِم مع قرناءِ السوء والفساد, يَجلِسُ معهم أباً وصديقاً ومربياً وموجِّهاً ومُسَلِّيَاً, جِلسةَ ترويحٍ وتربية, وتثقيفٍ وتوعية, أولاً يسمع منهم, ويُحسِّسُهُم باهتمامِهِ بِمَا يقولون, فهذا الإحساسُ في حَدِّ ذاتِهِ يَجعلُهُم أكثرُ قرباً منه وأمناً ثُمَّ يَسألُ عن اهتماماتِهِم, وعن متابعاتِهِم, وعن رؤيتِهِم لواقعِهِم, ثم يوصيهم بالمعروف, ويُذَكرهم بالله, وأنه مُطَّلِعٌ على كل شيء, لا تخفى عليه خافية, ويُذَكِّرُهُم بِنِعَمِ اللهِ تعالى, كَمَا قَالَ بعضُ الصالِحينَ موصيًا ابنَه وصيةً عظيمةً قَالَ فيها: يا بُنَيَّ, إذَا مَرَّ بِكَ يومٌ وليلةٌ قد سَلِمَ فيهِمَا دينُك وجسمُك ومالُك فأكثِرْ من الشُّكرِ للهِ تعالى, فَكَم من مسلوبٍ دينَه, ومنزوعٍ مُلْكَه, ومَهتوكٍ سِترَه, ومقصومٍ ظهرَه في ذلك اليوم .. وأنت في عافية؟ هذه هي التربية يا عباد الله أن تَربِطَ أبنائَكَ بالله, وأن تُعَرِّفَهُم باللهِ من طريقِ نِعَمِهِ وآلائِهِ وهذه لابُدَّ من جلوسِكَ معهم, وكَمَا قلتُ آنِفَاً: الإجازَةُ فرصتُكُم, لأن تجلِسُوا, وتُحَاوِرُوا, فتَختلِطَ أرواحُكُم, ومشاعِرُكُم, فَمَا أجملَها من جلساتٍ عائليّةٍ افتُقِدَت في كثيرٍ من بيوتِنَا. اللَّهُمَّ أصْلِح بُيُوتَنَا, واَهْدِ زوجاتِنَا وأبنائَنَا وبناتِنَا ..
عباد الله, إذا كان اللهُ تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} فكيف يقي المسلم أهله من النار؟ يقيهم بتعليِمِهم الشرعَ والدينَ والأدب, وكيفَ يكونُ ذلك وهو لا يُخَالِطُهُم, ولا يُجَالِسُهُم, ولا يَهتَمُّ بِهِم, مبْلَغُ عِلمِهِ أنَّهُ لا يراهم إلا إذا حَصَلَت مشكلةٌ, أو وقعت مصيبة. فكيفَ يَقيهِمُ النَّارَ إذن؟ نريدُ أن تعودَ للبيوتِ سَهَرَاتُها لا مع الفضائيات والِانترنت كَلَّا, بل في ظِلَالٍ وارِفَةٍ من المَحبة, من التفاهُمِ والحوار, وتبادُلِ المشاعِرِ والآراء نريدُ أن نرى الأسرةَ مجتمعةً ولو لدقائق, أغلِق أيها الأب خلالَها التلفازَ وأجهزةَ الاتصالات, وافتح حديثاً ممتعاً مع أبنائِك وبناتِك واجعل هذه الجلسة في سبيلِ الله ولوجهِ الله مناصحةً في حَقّ, وتعليماً لعلم, وغَرْساً لِخُلُق, وتَربيةً على أدَب, ومعاتبةً على خَطأ, وإنكاراً لِمنكر, وتعريةً لباطل, بهذا تَقِي نفسَك وأهلَك وأولادَك {نَارًا} هي ليست كأي نار, بل هذه نارٌ {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
أسأل الله العظيم أن يجيرنا وإياكم ووالدينا وأهلينا من النار إنه على كل شيء قدير.

الجمعة، 7 مارس 2014

خطبة بـ عنوان: "نصر الله قريب"

الحمدُ للهِ المبدئِ المعيد، الفعَّالِ لما يريد، خلق الخلق بعلمه، وقدَّر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً، لا يستأخرون عنها ساعة ولا يستقدمون، قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسينَ ألفَ سنة: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون. {كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} مشيئتُهُ تَنفُذ لا مشيئةَ العباد، إلا ما شاء لَهم، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيدَنا ونبيَّنَا محمداً عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه وبركاتُهُ عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد, فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله تعالى.
عباد الله, واقع المسلمين اليوم وما يتعرض له بعضُهُم في مشارق الأرض ومغاربها من ظلم وعدوان وتقتيل وتهجير وتعذيب ولَّدَ في نفوس بعض الناس شعوراً مخيفاً, وهو فقدانُ الثقةِ في وعدِ الله بنصرِهِ لعباده, وشَكٌّ في عدلِهِ, ويأسٌ من تأخُّرِ نصرِهِ للمظلومين, وفي قدرتِهِ على أخذِ الظالمين وإهلاكِهِم.
هذا الشعور له أسباب أهمُّهَا, ضعفُ الِإيمان, وطولُ الكرب, وحِدَّةُ الموقف, وكثرةُ المرجفين من المنافقين, موقف يذكرنا بموقفِ النبي r وصحابتِه يومَ الْأَحْزَابِ, عَامَ الْخَنْدَقِ, حين حاصر المشركونَ من قُرَيْشٍ وغَطَفَانَ المدينةَ حاصروها بعَشْرَةِ آلَافِ مقاتل, بتآمرٍ مع يَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ, يصف الله المشهد, فيقول: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ – يعني من أعلى المدينةِ وأسفلِها – وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} وصفٌ دقيق, وكربٌ شديد, حصارٌ دام قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ, ظَنَّ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ r من المؤمنين أَنَّ الدَّائِرَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ, يستغل هذا الموقف المرجفون والطابورُ الخامسِ في المجتمع, {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} ظَنَّ الْمُنَافِقُونَ أَنَّ النبيَّ r وَأَصْحَابَهُ سيُسْتَأْصَلُونَ، وقالوا: كَانَ مُحَمَّدٌ r يَعِدُنا أَنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَأَحَدُنَا لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الْغَائِطِ.
أخرج اللهُ في هذه المحنة والبلية وبهذه المحنة ما كان في قلوبهم من كفر ونفاق. وهكذا في زماننا نجد مع هذه الابتلاءات والانتهاكات الفظيعة لحقوقِ المسلمين مَنْ يشككنا في قدرةِ الله على وعدِ نصره, وقُربِ فرجه, واللَّهُ لَاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
عباد الله, هل تظنون أنَّ اللهَ تعالى غافلٌ عن ظُلم الظالمين؟ وعدوانِ المعتدين؟ حاشاه, لا ولن يَغْفَلَ Y, وكيف يغفل وهو الْحَيُّ الْقَيُّومُ الذي لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ؟ كيف يغفل وهو الحقُّ العَدْلُ الذي:{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي بالعدل. كيف يغفل وهو القائل:{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}؟ كيف يغفل وهو القائل عن الظالمين: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}؟ يقولُ النبيُّ r: إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْهُ, ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.
فلنوقن بأن اللهَ تعالى يُمهل ولا يهمل, ويُملِي ولا يَنسى, ولن يغفَلَ عن الدماءِ التي أُريقت, والأموالِ التي نُهبت, والأعراضِ التي انتُهِكَت, والدورِ التي هُدّمت, والقرى التي دُمِّرَت, والمساجدِ التي حُرِّقَت, لن يغفَلَ عنها لأنَّهُ العَدلُ المُنتَقِم, قضى بين البهائم بعدله.
بينَمَا رَسُولُ اللهِ r يَمْشِي وَمَعَهُ أَبُو ذَرٍّ t, إِذْ رَأَى شَاتَيْنِ تَنْتَطِحَانِ، فَقَالَ r: يَا أَبَا ذَرٍّ, هَلْ تَدْرِي فِيمَ تَنْتَطِحَانِ؟ قَالَ: لَاَ, يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ: لَكِنَّ اللهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قضى بين البهائم بعدله, يعطي الْشَاةَ الجماء التي لا قَرْنَ لَهَا حقَّهَا من الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ التي اعتدت عليها. فهل سيغفل عن عبادِهِ المؤمنينَ به؟ المتوكلينَ عليه؟ المفوضينَ الأمورَ كُلَّهَا إليه؟ {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}.
سيقتص للمظلومين من الظالمين, قَالَ النبيُّ r: إِنَّ اللَّهَ لَنْ يُضَيِّعَ لِذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَحَقُّ المظلومِ قَائِم, والذي سيُؤدِّيهِ عَنهُ هو اللهُ تعالى. {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ – يعني بالعدل – وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} اللهم اجعل لإخواننا المسلمين المظلومين المضطهدين في كل مكان فرجاً ومخرجاً, اللهم انصرهم بقوتك, واحمهم بحمايتك, وكن معهم, ولا تخذلهم يا ناصر المظلومين, يا رب العالمين ..
عباد الله, بَنَى مَلِكٌ جَبَّارٌ قَصْرًا فَجَاءَتْ عَجُوزٌ مُسْلِمَةٌ فَبَنَتْ إِلَى ظَهْرِ قَصْرِهِ كُوخًا تَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ, فَطَافَ المَلِكُ بِفِنَاءِ قَصْرِهِ يَوْمًا, فَرَأَى كُوخَ العجوز, فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ, وَلَمْ تَكُنِ العجوزُ حَاضِرَةً, فَجَاءَتْ فَرَأَتْهُ قَدْ هُدِمَ, فَقَالَتْ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ فَقِيلَ لَهَا: إِنَّ الْمَلِكَ رَآهُ فَأَمَرَ بِهَدْمِهِ فَرَفَعَتْ طَرْفَهَا إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَنَا لَمْ أَكُنْ, فَأَنْتَ؟ كُنْتَ أَيْنَ؟ فَأَمَرَ اللَّهُ U جِبْرِيلَ أَنْ يَقْلِبَ الْقَصْرَ عَلَى مَنْ فِيهِ.
الظُّلْمُ ظلماتٌ, والظالِمُ سَيَلْقَى جزائَهُ, واللهُ حَقٌّ عَدْلُ U, لن يخذُلَ عبادَهُ المظلومين, سينتصر لَهم ولو بعدَ حِين, فليتسلى المظلوم, والْوَيْلُ للظَّلَمة ثُمَّ الْوَيْلُ للظَّلَمة {الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
فلنؤمن بعدلِ اللهِ المطلق الذي يقتضي نَصْرَهُ للمظلومين ولو بعدَ حين واستمعوا لِمَا يُسَلّي النفوس, ويُقوّي الإيمان, قَالَ تعالى: {وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ. سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ. وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا.ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ}.

خطبة بـ عنون: "نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم"

عباد الله, هو أرحَمُ الخَلقِ بالخَلقِ, وصَفَهُ الله تعالى بأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ, وَبِأَنَّهُ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ, وقَالَ هو عن نفسِهِ: إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ, إنه نبيُّنا محمدُ بنُ عبدِالله, اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ .. لَمَّا تُوفّي عمُّهُ أبو طالب, وزوجُه خديجة اللَّذَين كانا دعامتين من دعائم سيرِ الدعوة في أزماتِها, أبو طالب السندُ الخارجي لرسولِ الله r يدفعُ عنه قومَه, وخديجةُ السندُ الداخلي لرسولِ اللهِ r تخفّفُ عنهُ الأزماتِ والمحن, بعد وفاتهما, تجرأ المشركون على رسولِ الله r ونالوا منه, وضيقوا عليه, فرأى أن يُغَيِّرَ البيئة، وأن يَخرُجَ بدعوته من مكة إلى بيئةٍ أخرى تقبَلُ الدعوة، لتحمِيَهُ وتمنعَهُ حتى يبلِّغَ رسالةَ ربه.
فَخرَجَ r إلى الطائفِ ماشياً, قَطَعَ هذه المسافةَ بينَ مكةَ والطائف ماشياً على قدميه, ليدعوهم للإسلام, وليلتمس النصرةَ من ثقيف، ليمنعوه ويحموه حتى يبلّغ دين الله, عَرَضَ نَفْسَهُ ودعوتَهُ عَلَى عَبْدِيَالِيلَ بْنِ عمرو بنِ عَوف وإخوتِهِ, لكنهم كانوا لِئَامَاً, لَمْ يُجِيبُوه إِلَى مَا أَرَد، ولَم يَكتفُوا بهذا, بل أغرَوْا بِهِ صِبيَانَهم وسُفَهَائَهم, يَسبونَه, ويرشقونه بالحجارة حتى سالَ الدمُ من قدميهِ الشريفتين, بأبي هو وأمي r، فَانْطَلَقَ مَهْمُوماً عَلَى وَجْهِه, فَلَمْ يَسْتَفِقْ إِلَّا وهو بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، قَرْنُ المنازلِ على السيلِ الكبير, من الهمِّ والألَمِ النفسيِّ والجسديِّ مَا قَاسَ المسافةَ, وقطَعَهَا ولَم يشعُرْ بِهَا, هَمَّاً وحُزنَاً لِمَا أصابَه من أهلِ الطائف, وهو يمشي في الشمس ولا يدري أينَ يسير, أرسلَ اللهُ سحابَةً تُظَلِّلُهُ وكَانَ فِيهَا جِبريلُ الأمينُ u فَنَادَاهُ, قَالَ: إِنَّ اللهَ U قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ, لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَاهُ مَلَكُ الْجِبَالِ, وَسَلَّمَ عَلَيه، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ, وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أُطْبِقُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ وهُمَا أَبُوقبيس وَالَّذِي يُقَابله, اللَّذَينِ يَحُدَّانِ الكعبةَ شَمَالَاً وجَنُوبَاً, فَقَالَ لَهُ صاحِبُ القلبِ الرحيم, والخُلُقِ العَظيم r: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. معاناتُهُ r في الطائف شديدة, أشدُّ عليهِ من يَومِ أُحُد, هَذَا أولاً, ثم إنَّ مُشركي مكة آذوه وأسرفوا في أذيتِهِ, هذا ثانياً. ثم إنَّ أصحابَه متفرقون بعضُهُم في الحبشة, وبعضُهُم في مكة تحتَ التعذيب, وبعضُهُم يكتُمُ إسلامَهُ خوفاً من قريش, هذا ثالثاً, وجَاءَ الوقتُ لينتصِرَ لنفسِهِ ولأصحابِه المستضعفين, هذا رابعاً, ويَشفيَ غليلَهُ في قريشٍ المُحاربين للدعوةِ, هذا خامساً, ومع كل هذه الدواعي تجلَّت رحمتُهُ r في أبلَغِ صورِهَا، يَقُولُ r: لَاَ, أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. رَفَضَ r أن يستئصِلَهُم, ويُهلِكَهُم, بل رَحِمَهُم, وأعطاهُم فرصةً, ودَعَا لَهُم, كَمَا في بعضِ الروايات: بَلِ استأنِي بِهِم أي: أتأنى ولا أعجل. قِيلَ له يوماً:ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعثْتُ رَحْمَةً, اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهْمُ لا يَعْلَمُونَ. مَا بُعِثَ ليتشَفَّى بقتلِهِم وإهلَاَكِهِم, بُعِثَ لهدايتهم, ولإخراجِهِم من الظلماتِ إلى النورِيقول r: أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. نظرتُهُ r كانت بعيدةَ المَدَى, تتجاوَزُ حدودَ ذلك الجيل, وحقَّقَ اللهُ رجاءَ رسولِهِ أبلَغَ تحقيق, فَأخْرَجَ من أصلابِ الصناديدِ المشركين مَنْ يَعبُدُ اللهَ وَحْدَهُ. أخْرَجَ من صُلبِ أَبِي جَهْلٍ عِكْرِمَةُ, ومِنْ صُلْبِ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ صَفْوَانُ, ومِنْ صُلْبِ الوَلِيْدِ بنِ المُغِيْرَةِ خَالِد سَيْفُ اللهِ المسلول, ومن صُلْبِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ عَمْرُو داهية العرب. تِلْكُم ثِمَارُ عَفوِهِ ورحمتِهِ r     وَإِذَا عَــــفَوتَ فَـقادِراً وَمُقَدَّراً      لَاَ يَستَهينُ بِعَفوِكَ الْجُـهَلاءُ
وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ      هَذانِ في الدُنيا هُمَا الرُحَماءُ
اللهم صل وسلم على الحبيبِ النذير والهادي البشير والسراجِ المنير, صلاةً وسلاماً
عباد الله, المشركون آذوا رسولَ اللهِ r كثيراً كثيراً, فَلَمَّا رَأى r إدبارَهُم عن الِإسلَام, قَالَ مَرَّةً: اللهم, سبعاً كسبعِ يوسف. فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى أَكَلُوا المَيْتَةَ وَالعِظَامَ والجُلُودَ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ وكان يومَهَا على الشرك, وناسٌ مِنْ أهلِ مَكة, فَقَالُوا: يا محمَّد, إِنَّكَ تَزْعُمُ أنَّكَ بُعِثتَ رَحمَةً, وَإِنَّ قَوْمَكَ هَلَكُوا, فَادْعُ اللَّهَ لَهُم، فَمَاذا فَعَل؟ هل رَدَّهُم؟ هل دَعَا عليهم مرةً أخرى؟ كَلَّا, لأنَّهُ نَبِيُّ الرحمةِ دَعَا اللهَ أن يَرفَعَ عنهُم ذلك العذاب, فاستجابَ اللهُ لَهُ وسُقُوا الغَيث. إنها أخلاقُ النبوة, الرحمة العفو الصفح, حتى مع المخالف, رسالةٌ لكل داعيةٍ وناصحٍ وموجه, تَخلَّق بأخلاقِ سَيْدِ الدُّعاة r, كُنْ رَحيمَاً مع مَنْ تَنصَحُهُ وتوجّهُهُ, قدوتُكَ نبيُّ الرحمة. اللهم صل وسلم وبارك عليه, اللهم إنَّهُ قد تَعِبَ لأجلِك, وفي سبيلِك, وأؤذي لأجلِ هدايتنا لدينِك, فاجزه يا ربنا عنَّا خيرَ ما جزيتَ نبيَّاً عن أمته ..

الجمعة، 21 فبراير 2014

خطبة بـ عنوان: "أحسن اختيار جلسائك"

أخي المسلم, أيها المبارك, قضيةٌ يجب أن تعتنيَ بها, وتَحرِصَ عليها, ولا تتساهَلَ فيها, إنها تُحدّدُ معالِمَك, وترسمُ شخصيتَك, وتؤثرُ على أفكارِك وتوجهاتِك ومبادئِك, إنها اختيارُ جلسائِك. مَنْ تجلس معه فهو جليسُك, مَنْ تقرأ له فهو جليسُك, مَنْ تتابع حديثَه فهو جليسُك, مَنْ تستمعُ له فهو جليسُك, فأحسن اختيارَهُم.
الناس بالنسبة لك على ثلاثةِ أصناف: صنفٌ هم لك كالغذاء, لا يُستغنَى عنه. وصِنفٌ هم لك كالدواء, لا يُحتَاجُ إليه إلا زمناً معينا. وصنفٌ هم لك كالداء, لا يُحتاجُ إليهِ أبدا. فأحسن اختيارَ جلسائك, إنه قد ورد في الحديثِ الصحيح: يأتي على الناسِ زمانٌ يُقَالَ لِلرَّجُلِ:«مَا أَجْلَدَهُ مَا أَظْرَفَهُ مَا أَعْقَلَهُ لكن مَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» فاحذر أن يكونَ جليسُكَ من أمثالِ هؤلاء. وورد في الحديثِ الصحيح الآخر, سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ, يَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ, قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». وقيل: «السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».
أحسن اختيارَ جلسائك أن لا يكونَ بينَهم رويبضة. رويبضة يعني رابضٌ عن معالي الأمور, ومشارِفِ الأحوال, ومفاخِرِ الأفعال, رابِضٌ حِسَّاً ومَعنى, لا ينبعِثُ في شي, ولا إلى شيء, سوى كثرةِ الكلامِ في علمِ الكبار, وقضايا الأمّة, وحوادِثِ المجتمع, يتكلم في كل شيء, ويتدخَّلُ في كل شيء, ويُحلِّلُ كُلَّ شيء, ويوزّعُ الاتهامات, ويُقصي ويُدنِي, ويستعلي ويستعدي, ويزايد ويفتات, وكَثْرَةُ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ يُقسِّي الْقَلْبَ ياعباد الله وَأَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ ذو القَلْبِ القَاسِي.قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ كَانَ مَنْطِقُهُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللهِ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ كَانَ نَظَرُهُ فِي غَيْرِ اعْتِبَارٍ فَقَدْ سَهَا، وَمَنْ كَانَ صَمْتُهُ فِي غَيْرِ فِكْرٍ فَقَدْ لَهَى.
مَنْ كَثُرَ كلامُهُ كَثُرَ خَطؤُهُ, ومن كَثُرَ خطؤُهُ قَلَّ احترامُهُ, أحسن اختيارَ جُلَسَائِك, فإنَّكَ قد تجلس مع رويبضة وأنت لا تشعر. قد تجلس معه على فضائية أو إخبارية أو على موقعٍ على شبكة النت لساعاتٍ طويلة, فيتكلم كثيرا, ويَخلِطُ كثيرا, ويَهرِفُ بما لا يعرف, يتكلم بكلامٍ, يَضُرُّك ولا يُفيدُك, يُضلِّلُ عنك الحقائق, ويُشكِّك في عقيدتِك, ويشوِّشُ أفكارَك, ويؤثِّرُ على تفكيرِك, واتخاذِ قرارِك. قد تجلِسُ معه على صحيفةٍ ورقية أو إلكترونية فتقرأ مقالا طويلا لرجلٍ مُلَّوثِ الفكر لا تستفيد منه سوى الهمزِ واللمز, والتهويلِ والتطبيلِ, والإثارةِ والتأليب, والتشدُّقِ في الكلام, والتقعُّرِ في الألفاظ, فتَمُرُّ الأوقاتُ والنظراتُ على مقالِهِ, فيُؤثِّرُ في خَوَاطِرِكَ وأفكارِكَ ومنطقِك. وما أحسَنَ ما قيل :
وَلَاَ تَصْحَبِ الكَسْلَانَ فِي حَاجَاتِهِ        كَـــــمْ صالِحٍ بِفَسادِ آخرَ يَفْسُدُ
عَدْوَى البليدِ إلى الْجـليدِ سَـريعَةٌ         وَالْجَمْرُ يُوضَعُ في الرَّمَادِ فَيَخْمُدُ
هؤلاء جلساءُ سُوء, وقد قيل: الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ، فأحسِنَ اختيارَ جُلَسَائِك, فإذا رأيتَ منهم مَنْ يَخوضُ في آياتِ الله, وَيَتَّخِذُوهَا هُزُوًا, ويتكلَّمُ بِمَا يخالِفُ الحق, من تحسينِ الباطل, والدعوةِ إليه, ومدحِ أهله, وتبريرِ فعلِهِ, والإعراضِ عن الحقِّ والسنة, والقدحِ والجرحِ في سَلَفِ الأُمَّة, فَلَا تجلِس معهم, ولا تَسمَع لَهُم, ولا تقرأ لَهُم, قَالَ تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} آيةٌ واضحةُ الدِّلَالة, صريحةُ العبارة, وهي أمرٌ من اللهِ لرسولِهِ أصلَا, ولأمَّتِهِ تَبَعَا. أعوذُ باللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ..
أخي المسلم, أيها المبارك, أحسن اختيارَ جلسائك, وخُذْ مواصَفَاتِهِم من رسولِ اللهِ r, فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ y قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ؟ قَالَ: «مَنْ ذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ رُؤْيتَهُ، وَزَادَ فِي عِلْمِكُمْ مَنْطِقَهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِالْآخِرَةِ عَمَلُهُ». هؤلاء هُم مَن تُجَالِس, قولُهُم فِعلُهُم حالُهُم يُذَكِّرُكَ بالله, ويُقَرِّبُكَ من الله, والمَرءُ يُصلِحُهُ الجليسُ الصَّالِحُ.
فأحسِن اختيارَ جلسائك, واعمل بوصيةِ الفاروقِ عُمَرَ t حيثُ قَالَ: «عليكَ بإخوانِ الصدقِ, فَعِشْ في أكنَافِهم، فإنَّهم زِينةٌ في الرَّخاءِ, وعُدَّةٌ في البَلاءِ، وَاحْذَرْ صَدِيقَكَ إِلَّا الْأَمِينَ، وَلا أَمِينَ إِلَّاَ مَنْ خَشِيَ اللَّهَ ولَا تَصْحَبِ الْفَاجِرَ فَيُعَلِّمَكَ مِنْ فُجُورِهِ، وَلا تُفْشِ إِلَيْهِ سِرَّكَ, فَيَفْضَحْكَ، وَاسْتَشِرْ فِي أَمْرِكَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ».
هذا وصلوا وسلموا ..

خطبة بـ عنوان: "من أساليب حل المشكلات الزوجية"

أما بعد, فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله تعالى, فَاتَّقُوهُ سبحانه, وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَة، وَآلائِهِ الْبَاهِرَة، فَدِينُنَا خَيْرُ الأَدْيَانِ، وَأُمَّتُنَا خَيْرُ الأُمَمِ، وَنَبِيُّنَا أَفْضَلُ الأَنْبِيَاءِ، وَنَحْنُ بَيْنَ ذَلِكَ فِي صِحَّةٍ فِي الأَبْدَانِ، وَأَمْنٍ فِي الأَوْطَانِ، وَرَغَدٍ فِي الْعَيْشِ وَأَمَان.
عباد الله, من نِعَمِ اللهِ علينا أن خَلَقَ لنَا أزواجاً نَسكُنُ إليها, ونأنسُ بها, وجعل بينَنا وبينَ زوجاتِنا مودةً ورحمة, ولكن, ولأننا بشر, ولأن النزعة البشرية مع المؤثرات النفسية مع الوساوس الشيطانية قد تجتمع في لحظة فيحصل بسببها خلافٌ داخلَ البيتِ المسلم, وقد يتطور الخلاف تطوراً مخيفا, حتى يظفَرَ الشيطانُ ببغيتِهِ, فيتفارق الزوجان لسببٍ تافه, وحتى تعرفوا فرحة إبليس بحصولِ هذا الفراق, ووقوع الشقاقِ ثم الطلاق, تأملوا هذا الأثر, يَقولُ النبيُّ الصادِقُ r: إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ، فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ - أَوْ قَالَ: فَيَلْتَزِمُهُ - وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ أَنْتَ.
عباد الله, ومع هذا حَرِصَ الإسلامُ بتوجيهاتِهِ الربانيّة وتشريعاتِهِ القرآنية وإرشاداتِهِ النبوية على تجنيبِ الأسرة شرورَ الشقاقِ والخصام، ووجّهَنا إلى حَلِّ المشاكل بأساليب يسيرة لكن تحتاج لقلبٍ صادق وعقلٍ واعي وإدراكٍ لِحجم المسئولية وخطورةِ المسألة إذا غَفلْنَا عنها. فتعالوا نستعرِضُ سوياً جملةً من أساليبِ حَلِّ المشكلاتِ الزوجية, وكيفيةَ احتوائِها بطرقٍ سهلةٍ حكيمة, وكُلُّ إِنْسَانٍ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة, وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ.
من أساليب حل المشكلات الزوجية أن يفهَمَ كُلُّ زوجٍ زوجَه, ويفهَمَ نفسيَّتَه, ويفهَمَ متى غضبُهُ؟ حتى يتدخَّلَ فوراً لتهدئتِهِ, ولا يَزيدُ النَّارَ وقوداً, ودُونَكُم رَسُولُ اللَّهِ r يقولُ لزوجِهِ عَائِشَةَ t: إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى. قَالَتْ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لاَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قُلْتِ: لاَ وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ. فتقولُ لَهُ الحبيبةُ عَائِشَةُ t: أَجَلْ, وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. فَهِمَهَا r, وفَهِمَ نفسيَّتَهَا من معاشرتِهِ لَهَا, وهذا ما تَفتقدُهُ كثيرٌ من بيوتِ المسلمين, وأُسَرِهِم, أنَّ الزوجَ لا يَفهَمُ زَوجتَه ولا تَفهمه, ولا يعرف ما يُغضِبُهَا؟ ومَا يُرضِيَهَا؟ ومتى تغضب؟ وكيف تغضب؟ ولماذا تغضب؟ وكيفَ ترضى؟ ومتى ترضى؟ ولأجلِ ذلك, يحصُلُ التنافُرُ لأتفَهِ سببٍ, وأدنى كلمةٍ, فإذا انفعَلَ طرفٌ, انفعَلَ الآخر, وإذا غَضِبَتِ المرأةُ ثارَ الرجل, والعكس, وما أجملَ ما قالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ t لزوجتِهِ: إذا رأيتِني غَضِبتُ، فَرَضِّني، وإذا رأيتُكِ غَضبتِي رَضيتُكِ، وإلَّا لَم نَصطَحِب.
يقولُ الإمامُ أحمدُ في حَقِّ زَوجتِهِ أُمِّ ولدِهِ صَالِح مُثنِيَاً عليها: أقامَت أمُّ صالِح معي عشرينَ سنةً فَمَا اختلفتُ أنا وهِيَ في كلمة. لأنَّهُ فَهِمَهَا وفَهِمته, واحتواها واحتوته.
عباد الله, ومِنْ أساليبِ حَلِّ المشكلاتِ الزوجيَّةِ أن يتحمَّلَ الزوجُ ضعفَ المرأة وعجزَها ونفسيتَها وما يعتريها من مؤثراتٍ جسدية تؤثّرُ على سلوكِهَا بعضَ الأوقات, فليلتمس لها العُذْر, وهذا ما أرشدَنَا له النبيُّ المُربِّي r فقال: إِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ. المؤمنُ يطلُبُ المعاذير، والمنافِقُ يطلُبُ الزلَّات، وحين تَحسُنُ النوايا، وتتوادُّ القلوب، يكونُ التَّعَقُّلُ والتَّحَمُّلُ والمُداراة، علاجاً لكثيرٍ من المشكلات.
ومن أساليبِ حَلِّ المُشكلاتِ الزوجية, الإنصاف, وما أقلَّهُ في زمانِنا, الإنصاف, أن لا ينسَى الزوجُ ما عند زوجته من أخلاقٍ حسنة وصفاتٍ حميدة، المنصف من اغتفَرَ قليلَ خطأِ المرءِ في كثيرِ صوابه. وهذا هو معنى قولِ النَّبِيِّ r: لَاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، - أي لا يُبغِض - إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ. غَضُّ الطرفِ من شِيَمِ الكرام, ونسيانُ الإحسانِ لؤم, والوقوفُ على كُلِّ خَطَأ مدعاةٌ للنُّفْرَة, وقد قيل:
سَامِحْ أخَـــاكَ إذا خلَــــطْ      مِنْهُ الِإصَابَــةَ بالغَلَـــــطْ
وتَجَـــــــافَ عنْ تعْنيفِـــــهِ      إنْ زاغَ يَومـــاً أو قَسَطْ
واعْــلَمْ بأنّكَ إنْ طلبْـــــتَ      مُهَذَّباً رُمْــــتَ الشّطَطْ
مَنْ ذَا الذِي مَا سَاءَ قَـطُّ      وَمَنْ لهُ الـحُسْــنى فقطْ
اللَّهُمَّ يَاحَيُّ يَا قَيُّومُ يَاذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، نَسْأَلُكَ أَنْ تُصْلِحَ بُيُوتَنَا، وَتَحْفَظَ أَهلنا, وتَهْدِيَ زوجاتِنَا وأبنائَنَا وبناتِنَا, رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ..
عباد الله, ومن أساليبِ حَلِّ المشكلاتِ الزوجية, التروِّي, والتُّؤَدَة, وعَدَمُ الِاستعجالِ في اتخاذِ القرارِ في مواطِنِ الغَضب, وإثارةِ المشاكل, أعلمُ أنَّ كثيراً من النساء تتفنَّنُ في إثارةِ حفيظةِ الزوج, والِانفعالِ أمامَه, فعليهِ أن يُقَابِلَ أيَّ مُشكلةٍ بالحِلمِ والأَناةِ والرِّفْق واللِّين والتأنّي والعقل, واللهُ U يُعطِي عَلَى الرِفقِ مَا لَاَ يُعطِي عَلَى العُنف, وهو سبحانه يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ. وتأمَّلُوا هذه القصة,
كَانَ النَّبِيُّ r عِنْدَ أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ t, فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَجَاءَ الخَادِمُ بالصَّحْفَةِ, فَلَمَّا رأتْهَا أمُّنَا عَائِشَةُ t غَشِيَتْهَا الغَيْرَة فَضَرَبَتِ يَدَ الخَادِمِ, فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ يعني تكسَّرَت فَقَامَ النبيُّ r بِنَفْسِهِ فَجَمَعَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ r يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِيها، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ, غَارَتْ أُمُّكُمْ. ثُمَّ حَبَسَ r الخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ عِنْدِ عَائِشَة فَدَفَعَهَا إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ المَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ عائِشَة. ولَمْ يَزِدْ على ذلك.
تأملوا رحمكم الله هذه الأناة وتلك الحكمة من النبيِّ الكريمِ r في معالجةِ هذا الخطأ واحتواءِ المشكلة قبل أن تتفَاقَم وتعظُم, كُلُّ ذلك بهدوءٍ ورفقٍ ولِين وحِلْمٍ منه r، فليكن لنا فيه المثلُ الأعلى, والقدوةُ الحسنةُ في التعامُلِ مع المشكلاتِ اليومية في حياتِنَا الزوجية.
ثم صلوا وسلموا رحمكم الله على خيرِ البريّة, وأزكى البشرية, ومعلّمِ الإنسانيةِ الخير..

السبت، 1 فبراير 2014

خطبة بـ عنوان: "عمارة المساجد"

فأوصيكم أيها الناس ويا من حضرنا في أول جمعة في هذا الجامع المبارك أوصيكم جميعاً ونفسي بتقوى الله تعالى فإنها وصيةُ اللهِ للأولين والآخرين, قال تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}. فحقِّقُوا تقوى الله تعالى في مُعاملاتِكم, وتَعَامُلاتِكُم, وسائِرِ شؤونكم, وأبشروا, {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا.وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا}.
عباد الله، أحبُّ بقاعِ الأرضِ إلى اللهِ, المساجد, هكذا أخبرَنَا رسولُ اللهِ r.
المَسَاجِدُ, هي بيوتُ الله, {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. المَسَاجِدُ, يُرفَعُ فيها ذِكرُ الله, ويُذكَرُ فيها اسمُ الله, {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ}.
المَسَاجِدُ, مَجمعُنا اليومي ومؤتمَرُنا الإيماني, مَنْ تَعَلَّقَ قَلبُهُ بها, أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ. المَسَاجِدُ رياضُ الجنة, هي مُتَنَزَّلُ الرحمة, ومَهبَطُ الملائكة, ومَحَلُّ السكينة, قَالَ مَالِكُ ابْنُ دِينَارٍ: «إِنَّ اللَّهَ U يَقُولُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعَذِّبَ عِبَادِي، فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَى جُلَسَاءِ الْقُرْآنِ, وَعُمَّارِ الْمَسَاجِدِ, وَوِلْدَانِ الْإِسْلَامِ, يَسْكُنُ غَضَبِي».
المَسَاجِدُ, قِلَاعُ المتقين, وحصونُ العلم, ودورُ المتعلمين, عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ t، قَالَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَغْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ إِلَّا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ مُجَاهِدٍ لَا يَنْقَلِبُ إِلَّا غَانِمًا».
عباد الله, مَنْ أرَادَ رِفعةَ الدرجات, ومَحوَ الخطيئات, وتَكثيرَ الحسنات, والمُنقَلَبَ الحَسَن في الحياةِ, وبعدَ الممات, فليَكُن من عُمَّارِ المساجِد طيلةَ الأوقات.
وعِمَارَةُ الْمَسْاجِدِ, نَوْعَانِ: الأولُ: عِمَارَةٌ حِسِّيَّةُ, بِبِنَائِهَا وَتَشْيِيدِهَا وتهيئَتِهَا. وهذا فَضلُهُ عظيم, قَالَ النَّبِيُّ r: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». والمثلية الواردة في الحديث لإيضاح أن الجزاء من جنس العمل، فهي كَمَّاً لا كيفاً؛ لأن موضِعَ شبرٍ في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها. وهذا الجزاء يشمَلُ كُلَّ مسجدٍ صغيرًا كان أم كبيرًا، أو كان بعضَ مسجد، فالمُسَاهِمُ مع غيرِهِ في بناءِ مسجد, والمُجدِّدُ له, ومَنْ أدخَلَ توسعةً عليهِ يكونُ داخلاً في الحديثِ, ويؤيّدُ هذا المعنى ما وَرَدَ في الحديث الصحيح«مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ». الْقَطَاةُ طائرٌ صَغِيْرُ الْحَجْمِ، وَمَفْحَصُهُ مَحَلُّ عُشِّهِ وَبَيْضِهِ, وهو مكانٌ صغيرٌ جدًا، فَدَلَّ عَلَى أنَّ أيَّ تَبَرُّعٍ يُسهِمُ في بناءِ مسجد, موعودٌ صاحبه ببيت في الجنة.
والنوع الثاني من عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ, عِمَارَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، بِالْصَّلاةِ وَالْذِّكْرِ وَالْدُّعَاءِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآَنِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ والقرباتِ. وهي المرادَةُ في قولِهِ تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}, قَالَ الحافِظُ ابنُ كثير رحمه الله: «وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عِمَارَتِهَا زَخْرَفَتَهَا وَإِقَامَةَ صُورَتِهَا فَقَطْ، إِنَّمَا عِمَارَتُهَا بِذِكْرِ اللَّهِ فِيهَا, وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ فيها، ورفعها عن الدنس والشرك». إنَّ اللهَ تعالى امتدَحَ رِجَالاً بيوتُهُم المَسَاجِدُ, هي في قلوبِهِم, لا دنيا عنها تُشغِلُهُم ولا مَالٌ عنها يُلهيهم, قال تعالى في شأنهم: {يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ..ما جزاؤهم؟{لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ:«إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَوْتَادًا، جُلَسَاؤُهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِنْ فَقَدُوهُمْ سَأَلُوا عَنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا مَرْضَى عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ».
هذا جزاءُ عُمَّارِهَا, ومَنْ يَرتادُهَا, ويَغدو ويروحُ إليها, بل أكثر, قَالَ النبيُّ r: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا، كُلَّمَا غَدَا، أَوْ رَاحَ». وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ t قَالَ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ r وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ مَنْ زَارَهُ فِيهَا. قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ t لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ r، يَقُولُ: «إِنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنْ كَانَتِ الْمَسَاجِدُ بُيُوتَهُمْ بِالرَّوْحِ وَالرَّحْمَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ واَلْجَنَّة».
بارك الله لي ولكم في الكتابِ والسنة, ونفعنا وإياكم بما فيهما من الآياتِ والهُدَى والحكمة, وثبَّتَنا وإياكم على ما كانَ عليهِ سَلفُ الأمَّة, وأقول قولي هذا .. إِلِخ
عباد الله خَصَّكُمُ اللهُ تعالى في هَذِهِ البُقْعَةِ من أرضِ الحرم, بهذا الجامِعِ المبارك, فَمَا المطلوبُ مِنَّا؟ ما واجِبُنَا؟ أولاً: أن نَشْكُرَ اللهَ تعالى أن هَيئَ لنَا ولَكُم مِثْلَ هذا الجامع ثُمَّ نُترجِمَ شُكرَنَا إلى واقعٍ عملي, بأن نرعى حرمةَ هذا المسجد, ونصونَه, ونعتنيَ به, ونحرِصَ على نظافتِهِ وتطهيرِه, وصيانتِهِ عن الأقذارِ الحِسيَّة, عَنْ أَنَسٍ t, أَنَّ النَّبِيَّ r رَأَى نُخَامَةً فِي المَسْجِدِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ. وَلَمَّا بَالَ أَعْرَابِيٌّ فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ، قَالَ لَهُ النبيُّ r: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ, إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ U، وَالصَّلَاةِ, وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ». كَمَا يَجِبُ أن يُطَهَّرَ المسجدُ عن الروائِحِ الكريهة, مِمَّا يُنَفِّرُ المصلين, ويؤذي ملائكةَ الرحمن, وإذَا كَانَ النَّبِيُّ r أَمَرَ مَنْ أكَلَ ثُومَاً أو بَصَلاً أن يَعْتَزِلَ المَسْجِد،  وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ, فكيفَ بِمَنْ يَتَعَاطَى مَا هُو أخبثُ مادةً, وأنتَنُ ريحاً؟ كَمَا يُصَانُ المسجدُ عن الأمورِ الدنيوية, من تجارةٍ, ورَفْعِ صوتٍ بكلامٍ دنيوي, سَمِعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ t رَجُلًا، يَقُولُ لِصَاحِبِهِ فِي الْمَسْجِدِ: اشْتَرَيْتُ وَسَقَ حَطَبٍ بِكَذَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «إِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُعَمَّرْ لِهَذَا». وعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُ غُلَامُهُ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَامَ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَجَابَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا تَكَلَّمْتُ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلِمِ الدُّنْيَا مُنْذُ كَذَا سَنَةٍ, فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ الْيَوْمَ.
فاتقوا الله عباد الله, واعرفوا لبيوتِ اللهِ حُرمتَها, وعظّمُوا ما عظَّمَ الله, عظِّمُوا بيوتَه, ومواطِنَ عبادتِهِ, {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ}.